إقتصاددولياتمصارفمقالات رأي

العقوبات الأمريكية وامتحان الاقتصاد اللبناني

بعد إقراره بالإجماع في مجلس النواب ومجلس الشيوخ في الولايات المتحدة الأمريكية وقع الرئيس دونالد ترامب القانون القاضي بفرض عقوبات دولية مالية تحد من تمويل حزب الله (هيفبا)، ووضع حيز التنفيذ مجموعة جديدة من العقوبات التي تستهدف حزب الله وشبكة الدعم المالي التي ستزيد من عزل الحزب عن النظام المالي الدولي والحد من التمويل له

ان الاعلان عن فرض عقوبات جديدة لم يكن مفاجئاً بحد ذاته على الشعب اللبناني وحكومته، بل أن توقيته جاء في غير مكانه وفي أحلك الظروف وبالوقت الذي يعاني فيه لبنان من فراغ حكومي منذ خمسة أشهر ومن الظاهر ان الوضع المقلق على كافة الصعد مهدد بالاستمرار.

هذه العقوبات ستؤثر سلبا على الاستثمارات في لبنان فضلا عن تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على القطاع المصرفي. وكان لا بد للمصارف من زيادة رؤوس أموالها تماشيا مع متطلبات الهيئات الدولية من جهة ولتغطية الزيادة في التكاليف بغية الامتثال لتوجيهات مسؤولي الخزينة الامريكية والاحتياطي الفدرالي لناحية الحفاظ على لوائح عملاء المصارف خالية من اسماء موضع تساؤل. إن هذه الإجراءات المضنية شجعت أحد المصرفيين على القول “سوف نضيع الكثير من الوقت في محاولة إثبات للولايات المتحدة أن لبنان ممتثل كليا”.

في هذا السياق، أقر “البرلمان اللبناني” القوانين المالية التي تتوافق مع المعايير الدولية بشأن التحركات النقدية العابرة للحدود، والمصرف المركزي حريص على الالتزام بهذه القوانين التي وافقت عليها “وزارة الخزانة الأمريكية”، الذي وصف بدوره امتثال لبنان للمعايير الدولية بالمذهل.

ان القطاع المصرفي في لبنان هو المعني المباشر في جميع هذه القوانين وأنه ينبغي عليه استيعاب هذه العقوبات في وقت قياسي تماما كما تعاطى سابقا مع إجراءات فاتكا بالإضافة إلى جاتكا. ولذلك فقد تضخمت تكاليف الامتثال للمصارف وأصبح نموذج “اعرف عميلك، كاي واي سي” يمثل كابوسا لعملائها مع تزايد النماذج الورقية والمتابعة الدورية لاضافة كل التغييرات عليها مع الحاجة لتوقيع العملاء عند كل تغيير.

وبالعودة إلى تداعيات العقوبات الأمريكية على الاقتصاد اللبناني، فإن أول ضحية كبيرة كانت البنك اللبناني الكندي. بالرغم من كونه واحد من أكبر خمسة مصارف في لبنان، غير أن تصنيفه من قبل الولايات المتحدة على أنه وسيط لغسل أموال احدى المنظمات المدرجة على لائحة الارهاب، تحديدا حزب الله، أدى الى تدبير صفقة محكمة من قبل البنك المركزي لامتلاك البنك مع المشتري بنك سوسيتي جنرال.

لماذا كانت المصارف اللبنانية حريصة جداً على الالتزام سريعا بموجبات العقوبات؟ ببساطة، لأن الاقتصاد اللبناني هو مدولر والمصارف اللبنانية لا يمكن أن تعمل دون تلك المصارف المراسلة في الولايات المتحدة. ناهيك عن أن نسبة 65% من الودائع في لبنان محررة بمعظمها بالدولار الأمريكي، و 72% من القروض مقومة بالدولار الأمريكي.

والجدير ذكره ان مروحة العقوبات الأمريكية المتتالية منذ 1994 وغيرها من الإجراءات الاحترازية التي كانت قد اعتمدت عقب الأزمة المالية عام 2008 ساهمت إلى إضعاف مفهوم السرية المصرفية التي لطالما تمايز بها القطاع المصرفي اللبناني وبطبيعة الحال ان المساحة المشمولة بالسرية المصرفية تتقلص شيئا فشيئا لمصلحة الشفافية.

ايضا وايضا وبسبب العقوبات المفروضة على سوريا، لم يستطع لبنان الاستفادة من تدفق رأس المال والأعمال خارج سوريا بعد اندلاع الحرب في عام 2011 كما أن المصارف اللبنانية كانت مترددة في قبول أي نقل أو إيداع من المواطنين السوريين تماشيا مع التوصيات والإجراءات المدرجة من قبل مسؤولي الخزينة الامريكية والاحتياطي الفدرالي مما ادى الى فرار رجال الأعمال من سوريا وتهريب النقود والثروات التي يمتلكونها من أجل إعادة تأسيس أعمالهم في أماكن أخرى لم يتمكن لبنان من الاستفادة منها.

في الخلاصة، مرة أخرى سيتم اختبار قدرة الاقتصاد اللبناني والقطاع المصرفي على تجنب المضاعفات الناجمة عن العقوبات الأمريكية المتوقعة ضد حزب الله. حتى الآن، تمكن لبنان بالتعامل بحكمة وحذر مع موجة العقوبات الأمريكية الرامية إلى تضييق الخناق على الشؤون المالية لحزب الله، والتي صنفته واشنطن بمنظمة إرهابية.

لقد سبق ونجحت المصارف اللبنانية، بتوجيه من البنك المركزي، و امتثلت تماما لكافة القرارات السابقة المتتالية الصادرة عن “وزارة الخزانة الأمريكية”، لجهة تعليق جميع الحسابات المشتبه بها والتابعة لأي مسؤول في حزب الله والمدرجة على قائمة “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي” وذلك بهدف إبعاد شبح القيود عن مراسلاتها المصرفية وتعاملاتها مع المصارف الأجنبية.

هل هذه العقوبات للتنفيذ؟ وهل الغرض منها إحراج الحكومة اللبنانية؟

لنلاحظ انه عندما تفرض العقوبات على جهة معينة فان القادة السياسيين سوف يتمكنون من الافلات منها على صعيد شخصي من خلال اعتماد نظام مختلف وطرق جديدة تتكيف والإجراءات المطلوبة تمكنهم بذلك من المحافظة على أعمالهم وثرواتهم، غير ان هذا التلاعب سيكون له تأثير سلبي على الاقتصاد ككل بزيادة عدم المساواة في الدخل وخلق الاحتكارات لقلة قليلة.

في الماضي، كان هناك نوع من التساهل مع العقوبات السابقة وكانت هناك جهود لاحتوائها. أما بالنسبة إلى العقوبات الحالية، وبعد التمعن في قراءة بنودها ومتطلباتها مما لا شك فيه أنها ترسل إشارات واضحة وجدية تقول من خلالها للبنانيين أن عليهم من الآن فصاعدا التحوط الكامل.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى