إقتصاداخترنا لكممقالات رأيمونيتور الفساد

مكافحة الفساد… أو حفلة تفسيد؟

حدد المنتدى الاقتصادي العالمي في دراسة استقصائية أجريت مؤخرا ان الفساد هو آفة اجتماعية خطيرة والمسبب الرئيسي للقلق عند الشعوب وخاصة جيل الشباب منه حيث تم ربطه بمجموعة واسعة من القضايا العالمية المتداخلة بعضها ببعض، مثل تزايد عدم المساواة وافلات الحكومات من المساءلة والمحاسبة.

ان الفساد في لبنان متفش على نطاق واسع، ومتغلغل على جميع مستويات المجتمع، كما ورد في تصنيف البلدان الإقليمي والعالمي لمؤشر متوسط الأداء على كافة الصعد اكانت أحزابا سياسية أو الإدارة العامة، والبرلمان والشرطة فان جميعها مع بعض الاستثناء تعتبر أكثر المؤسسات فساداً في البلد.
لبعض يربط ذلك جزئيا إلى عدم الاستقرار السياسي وبالتالي لم يتمكن البلد من إنشاء الأسس الضرورية للاستقامة والنزاهة، كما انعدام الرغبة في ارسال اشارات سياسية واضحة وقوية لمكافحة الفساد.

ان تركيبة لبنان الطائفي وتقاسم السلطة على أساس “الستة والستة مكرر” تكرس مبدأ الرعاية السياسية والزبائنية  والمحسوبية الحزبية بدلا من الكفاءة والجدارة والاستقلالية الفكرية، وهذا الأمر يقوض نظام الحكم في البلاد.

يصور الفساد في بعض الأحيان على انه “سرطان” في المجتمع ويجب استئصاله كي تستقيم البلاد وتنعم بالاستقرار المنشود. ان استخدام هذا المصطلح يشير إلى أن هذا داء اجتماعي يبدأ في مكان ما في الجسم ثم ينتشر ليصيب أكبر عدد ممكن من الخلايا. إذا كان لهذا التشبيه أي قيمة، لذا فإنه من المهم العثور على المصدر الأساسي لمشكلة الفساد في الجسم الاجتماعي.

مع ذلك، من المهم الاعتراف بأن الفساد مثل أي مرض خبيث، يظهر عوارض متناقضة مع واقع الحال والغاية من ذلك إخفاء مصدره والإفلات من محاولة علاجه. ان خلاصة الدراسات الامبيرية تشير الى وجود اربعة عناوين وهمية يجب الاحتياط منها كي لا يتمكن الفساد والفاسدين من الإفلات من كشف النقاب عن ممارساتهم.

اولا من الناحية البنيوية، من خلال تشريح التركيبة الاجتماعية التي تميز البلدان التي لديها معدل مرتفع واخرى منخفض من الفساد وجد الباحثون أن البلدان التي تتبع اللوثرية في طريقة إدارتها، وتلك التي تعتبر مساحتها الجغرافية صغيرة نسبيا، والتي لم يكن قد سبق واستغلت ثرواتها من الدول الاستعمارية، والتي تبدو متجانسة إثنيا نسبيا قد أظهرت أداء أفضل من غيرها من البلدان في محاربة الفساد

ثانيا وبحثاً عن هذا المرض فإن التركيز يتمحور حول القضايا السلوكية مثل مستوى السلامة والمعايير الأخلاقية للسياسيين وموظفي الخدمة المدنية والمجموعات المهنية الأخرى في القطاع العام. من الغنى عن التعبير أن البلدان التي تتمتع وتعتمد بنفس الوقت على المعايير الأخلاقية العالية في الخدمة المدنية أنها لا تعاني من الفساد المستشري في الجسم الاداري.

العنوان الثالث يبحث في النظام المؤسساتي والدور الذي يلعبه صانعي القرار في التدخل لناحية تغيير السياسات المتبعة أكان على صعيد الإدارات العامة أم الخاصة. ان التركيز على دور المؤسسات الرسمية في لعب دور أساسي في مكافحة الفساد كان مبالغا فيه كثيرا وتبين أنه من الحري الاعتماد أكثر فأكثر على الدور الذي يمكن ان يلعبه المجتمع المدني.

هذا لا يعني أن القوانين الرسمية الهادفة الى مكافحة الفساد غير مهمة، ولكن من الواضح من المثال الإيطالي بأنها غير كافية. ان عدد كبير من البلدان التي تحتل مركز متقدم في نسب الفساد، لديها قوانين رسمية صارمة لمكافحة آفة الفساد.

تظهر الدراسات المتمحورة حول الفساد في إيطاليا تباين كبير وملحوظ بين مناطقها الجنوبية والشمالية. وبالتالي فان السعي مجددا إلى إدخال وكالات وطنية خاصة لمكافحة الفساد اضافة الى قوانين أكثر صرامة، هي  استراتيجية في غير محلها.

رابعا، بالعودة الى المثال الايطالي هل يمكن الاستنتاج أن الفساد هو على نحو ما متأصل في الثقافة التقليدية لمجتمعات مثل صقلية وغيرها من الأماكن الفاسدة جداً؟

ان استخدام العديد من علماء الأنثروبولوجيا، التنوع الثقافي بين منطقة واخرى في البلد نفسه او بين بلد واخر لتبرير الفساد، متجاهلين إلى حد كبير أثاره الضارة على مختلف جوانب الرفاهية لدى المواطن. من جهتهم يلوم الاقتصاديون الثقافة لدى المجتمعات الفاسدة جداً مصنفين إياهم “بالمجتمعات غير المنتجة”

إذا كان هذا هو حال الفساد كيف اذا يمكن محاربته لا بل من الحري السؤال هل يمكن محاربته؟ ما هي الطريقة الفضلى التي يمكن ان تسد مزاريب الفساد وتستاصله من عرينه؟

طبعا ليس هناك من حل سحري لمحاربة الفساد. فالعديد من البلدان قد أحرزت تقدما كبيرا في الحد من الفساد، إلا أن المراقبين هم في حالة بحث دائم عن حلول وأدلة تشير إلى السبل الفضلى لمكافحة الفساد. في هذا الإطار  يمكن ان نستعرض خمسة عناوين تساعد المواطنين كما الحكومات على إحراز تقدما في مجال مكافحة الفساد

العنوان الأول يتمحور حول سبل إنهاء الإفلات من العقاب عبر تطبيق القانون بشكل فعال بهدف إحقاق الحق ومعاقبة الفاسدين باشد العقوبات نازعين الغطاء عن اي مرتكب وصولا الى الغاء الحصانة السياسية. ان انجاح إنفاذ هذا النهج الرادع للفساد يستوجب دعما  قويا في إطار قانوني غير متهاود مترافق مع تحقيقات شفافة من قبل الضابطة العدلية تحت عباءة ونظام محكمة مستقلة غير مسيسة.

العنوان الثاني يتطرق الى إصلاح الإدارة المالية العامة حيث ان التركيز على تحسين أدائها وتعزيز دور وكالات التدقيق ادى في العديد من البلدان إلى الحد من الفساد بنسبة فاقت بأضعاف تلك الناتجة عن  الإصلاحات في القطاع العام. احدى الامثلة هو الكشف عن بنود الميزانية العامة مما يحد من الهدر وسوء استغلال موارد الدولة المالية.

العنوان الثالث يثبت بأن البلدان الناجحة في كبح جماح الفساد لديها تقليد عريق من الانفتاح الحكومي تجاه العلن، تكرس حرية الصحافة، تعزز الشفافية وايضا تسهل الوصول إلى المعلومات. ان الكشف عن المعلومات يزيد في استجابة الهيئات الحكومية، وفي نفس الوقت لديه دلالات إيجابية على مستويات المشاركة العامة في البلد

العنوان الرابع يدل على ان تحصين مطلب المواطنين في مكافحة الفساد، وتمكينهم من إجراء مساءلة للحكومة ليس إلا بنهج مستدام يساعد على بناء الثقة المتبادلة بين المواطنين والحكومة. على سبيل المثال، مبادرات المجتمع المدني في رصد بعض الحالات ساهمت في الكشف عن الفساد وتخفيض هدر المال العام، وتحسين كمية ونوعية الخدمات العامة

العنوان الخامس والاخير يلحظ ضرورة سد الثغرات للحد من وصول اموال الفاسدين إلى النظام المالي الدولي، لان  الموظفين الفاسدين في الإدارات لن يتمكنوا عندها من غسل وإخفاء عائدات الأصول المنهوبة من الدولة. ان المصارف المركزية الرئيسية في حاجة ماسة إلى وضع أسس صحيحة لوقف البنوك والمراكز المالية التابعة في الخارجية من استقطاب التدفقات النقدية للأموال غير المشروعة.

بعد كل ما تم استعراضه أعلاه من ثغرات وتضاليل معتمدة لاخفاء الفساد ومنابعه من جهة والسبل السليمة لاستئصال المرض الخبيث المتمثل بالفساد من جهة اخرى يبقى السؤال الملك ” ما يجب أن يحدث؟”

ان مكافحة الفساد في لبنان تتطلب إرادة سياسية جادة وحقيقية للتغيير والإصلاح. يجب على الحكومة اتخاذ اجراءات صارمة تؤدي إلى محاسبة المؤسسات الفاسدة سياسيا، لذا ان الحكومة مدعوة الى اتخاذ إجراءات طويلة الأجل لإنشاء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة، وان يلعب البرلمان دوره في المحاسبة والمساءلة وملاحقة المخالفات، والسماح لا بل السعي الى وضع الية لكيفية إشراك المواطنين في عملها الصلاحي.

يجب على الحكومة أيضا أن تشجع مشاركة المجتمع المدني وحماية الناشطين والصحافيين في كشف ومكافحة الفساد. دون إصلاح جدي، سيظل الفاسد في فساده والفساد الى ازدهار، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في لبنان مما يعوق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

ختاما اود القول على قدر اهل الفساد تاتي الغنائم وتاتي على قدر الفاسدين المحاكم” والسلام

اخترنا لكم

إغلاق