اخترنا لكممونيتور الفساد

مستشارون… بين لُبنانَين

ينشر بالتزامن مع جريدة أسواق العرب اللندنية

يُحكى، وربما على سبيل الفكاهة، أنه في أحد الأيام من السنوات الأولى لاستقلال لبنان، دخل موظفٌ مَرعوب على زعيمه الإقطاعي في الدولة المستقلة حديثاً، راجياً ومتوسّلاً رفع الظلم الذي سيلحق به كونه سيخضع مع زملائه لامتحان كفاءة كتابياً وهو لا يُحسن الكتابة والقراءة، فما كان من الزعيم إلَّا أن عمل وسعى ووُفِّق في تعيينه… رئيساً للجنة الفاحصة.

كان ذلك منذ اكثر من سبعين عاماً، وفي زمنٍ كانت فيه القراءة والكتابة امتيازاً والشهادة الإبتدائية (السرتيفيكا) شهادةً يُعتدٌ بها بين الناس، حيث كانت قلّة من الأشخاص تتقن القراءة والكتابة في القرى ومتخصصة بقراءة الرسائل المُرسَلة من الإغتراب على طريقة مغنّاة “يا معلمة المدرسة”.

مُصطلَح مستشار “فلان” مصطلحٌ جديد نسبياً على الإدارة اللبنانية وقد تضخّم بعد الحرب إلى حد الجنون.

كان السياسيون اللبنانيون يتمتعون بصداقات وعلاقات ود واحترام مع الخبراء والمدراء في القطاعين العام والخاص، ومع المفكرين والكتّاب واساتذة الجامعات (كان للرئيس كميل شمعون، على سبيل المثال لا الحصر، في كل قرية “مستشارٌ” صديقٌ صيّاد، يعرف منه أحوال الناس).

كانت استشارة المجتمع من أسفل إلى أعلى عمليةً طوعية غير مدفوعة، ولا يتصل بها أي شرفٍ او امتيازات، يقدّمها الناس ويشجّعها زعماؤهم خدمة لوطنهم ومحبة بصلاح زعيمهم.

حين بدأت إعادة هيكلة العمل السياسي في لبنان بعد الحرب الأهلية الأخيرة، بدأت تتشكل الحلقات المقفلة حول الزعماء من الدائرة الاضيق إلى الدائرة الأكثر اتساعاً (دائرة الشعب) وقد تفصل بينها وبين الزعيم عشرات الدوائر واحدة تتصل بالاضيق منها وهكذا دواليك. ومن يخرج من إحدى الدوائر الضيقة، يخرج معه كل المرتبطين به في الدوائر الاوسع.

إحدى الدوائر الضيقة هي دائرة المستشارين، والتي لا وظيفة مُحدَّدة للمنضوين تحتها سوى اللقب الذي يفتح الأبواب والمؤسَّس على اسبابٍ مختلفة وليس بالضرورة على الكفاءة.

يقول السفير الأميركي الأسبق في المغرب ورئيس “مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان” إدوارد غابرييل في مقال حديث بعد زيارته للبنان: “لقد وجدنا أن مجتمع السياسة اللبناني عموماً، والحكومة بشكل خاص، لا يفهمون تماماً تفاصيل المشاريع المختلفة ويفتقرون بالتأكيد إلى اتفاق بشأن ما يجب القيام به.”

نستطيع أن نفهم هذا الكلام ونستطيع ان نعذر السياسيين والوزراء كونهم بغالبيتهم الساحقة إما بنات وأبناء بيوتاتٍ سياسية، وإما سيدات ورجال ينتمون إلى أحزاب، وإما قادمون من مجتمع الأعمال وإما محامون، وقد لا تتوفر لديهم الكفاءة والإختصاص اللازمين للفهم العميق للشؤون الاقتصادية وشؤون صناعة السياسات غير السياسية. وهذه ظاهرة مفهومة في ظل نظام هجين يختلط فيه دور الوزير بدور السياسي، ودور مُقدِّم الخدمات التي تعود على حزبه وعليه شخصياً بالنفع في صناديق الإقتراع.

ولكن، أين جيوش المستشارين؟ وبماذا يُستَشارون؟

قد نفهم مركز مدير مكتب الوزير عطفاً على الدور السياسي لكل وزير (وافقنا على هذا الدور أم لا)، وقد نفهم أيضاً دور المستشار الإعلامي وهي كفاءة تؤمنها وزارة الاعلام للوزارات لعدم توافرها في الادارات، ولكن ما هو الدور الحقيقي لهذه الجيوش؟ لماذا تستمر الأوضاع العامة بالتراجغ ويستمر هذا الجيش بالتزايد؟ هل ينطبق وقف التوظيف في القطاع العام على المستشارين أيضاً؟ وهل ينطبق إصلاح الإدارة على المستشارين أيضاً؟ هل ينطبق التقشف على تعويضات هؤلاء؟

هناك وصلتان لاسم الشخص قد تمّ استهلاكهما كثيراً: الخبير والمستشار. خبراء ومستشارو واقتصاديو البلاطات (والتعبير الأخير للأستاذ الجامعي جهاد الحكيّم) بماذا تستفيد البلاطات من كفاءاتهم؟

من المستشارين والخبراء الذين تحوّلوا إلى موقعٍ قيادي يُعدّون على أصابع اليد. هذا سقوط طبيعي وليس اصطفاءً طبيعياً.

كان لي زميل دراسة لم يعمل لسنوات بعد تخرّجنا من الجامعة، لكني صادفته في الطائرة بعد فترة وطمأنني إلى أنه قد عُيّن مستشاراً للوزير(فلان)… مستشار من دون أي خبرة، أي بخبرة صفر!

اخترنا لكم

إغلاق