إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

هل ينقذ سيناريو “قلب الطاولة” لبنان واقتصاده المنهار؟

اليوم يصادف الذكرى التسعون “للخميس الأسود” وبداية الأزمة الإقتصادية العالمية التي عرفت في أميركا
بالـ “الانهيار الكبير” او ” الكساد الكبير” والتي طبعت الاقتصاد الأميركي بالبطالة حيث امتلأت الشوارع بطوابير العاطلين عن العمل وتفشى الفقر وتدنت أرباح الشركات إلى حد أقفالها اضافة الى فقدان الأمل بفرص النمو الاقتصادي والتقديمات الاجتماعية. ان الاسباب التي تكمن وراء هذا الانهيار كثيرة أهمها فقدان الثقة لدى المواطن الأميركي بقدرة الحكومة على النهوض بالاقتصاد.

لقد حمّل الشعب الاميركي مسؤولية التدهور الاقتصادي الى الرئيس الأمريكي هربرت هوفر لعدم اقدامه على المبادرة الجدية بطرح سلة من الإصلاحات لمعالجة الركود الاقتصادي ولسوء إدارته للأزمة معتبرا انها مسألة هبوط وقتية لقيمة الأسهم. نتيجة ذلك حرم الناخب الأمريكي الرئيس من تجديد ولايته وتم انتخاب فرانكلين روزفلت رئيسا جديدا بناء على خطته الاصلاحية الاقتصادية والتي غيرت بمفاعيلها نهج السياسة الأمريكية.

هذا ما حدث في الولايات المتحدة، أما في لبنان بعد الدخول باليوم التاسع على الانتفاضة الشعبية بوجه الطبقة السياسية الحاكمة التي يحملها اللبنانيون مسؤولية الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعصف بالبلاد والعباد وبالرغم من العراقيل المتعددة التي حاول أهل السلطة استعمالها للحد من عزيمة المتظاهرين ناهيك عن الطقس الحار والماطر على حد سواء لم تفلح جميعها في إسكات الصيحات المدوية التي تعبر عن سخط وغضب وانتفاضة اللبنانيين على واقعهم الاقتصادي الذي اوصلهم الى الحضيض.

ان الورقة الاقتصادية الاصلاحية التي اعلنتها الحكومة في غضون ساعات قلة قليلة بالرغم من تضمنها بعض العناوين المقبولة لم تقنع المتظاهرين بالثني عن حراكهم حيث ان التساؤلات عن إمكانية تنفيذها من قبل نفس الطبقة السياسية المتهمة بالفساد هو أمر غير مقنع للاستحالة المعنوية التي تحول امام محاسبة المتهمين نفسهم للاشخاص المحيطين بهم أو الذين يدورون بفلكهم.

أيضا، جاء خطاب فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ليكرر الايجابية الواردة في الورقة الاصلاحية ويفسح المجال امام المتظاهرين للحوار المباشر معه وبالرغم من هذه الدلالات الإيجابية لم تلق آذان صاغية على مستوى القاعدة الشعبية لاقتناع اللبنانيين بأن كل ذلك هو مخدرات ومعالجات مؤقتة لن تأتي بنتائج ايجابية بل المطلوب عملية قيصرية تستأصل الجيوب الخبيثة ومكامن الهدر والفساد إلى غير رجعة.

في ظل هذه الطروحات والطروحات المضادة والكباش ما بين الحكومة والشعب عن صوابية الاستمرار في التظاهر أو العودة الى التفاوض مع السلطة لتحسين الشروط فضل المتظاهرون الخيار الأول. ان الوضع الاقتصادي المتهاوي على كافة الأصعدة إضافة إلى التقديمات الاجتماعية المفقودة وغيرها من ملفات حيوية فرضت نفسها على الحراك الشعبي.

بالعودة الى الأرقام فإن الدين العام ناهز 90 مليار دولار وأصبح يشكل 160% من الناتج المحلي الإجمالي وبذلك احتل لبنان المرتبة الرابعة عالميا بعد اليونان وهذا أهم مؤشر للدلالة على صلابة الاقتصاد اضف الى ذلك خدمة الدين العام التي تقدر بـ6 مليار دولار وهذا رقم كبير جدا اذ انه يشكل نصف إيرادات الموازنة ويحوّل الفائض الأول إلى عجز اولي. ملف الفساد ليس بأفضل حال إذ يقدر البنك الدولي حجم الفساد بـ2 مليار دولار وقد احتل لبنان المرتبة 143 على لائحة الفساد العالمي. لناحية التهرب الضريبي والمعابر غير الشرعية تخسر الحكومة ايضا حوالي 2 مليار دولار.

اما بالنسبة الى الكهرباء فحدث ولا حرج، ان مؤسسة كهرباء لبنان تكلف الخزينة 2 مليار دولار سنويا تسجل تحت بند سلفة على الخزينة وهذا بحد ذاته مخالف لقانون المحاسبة العامة علما ان العجز في ملف الكهرباء قد كلف الخزينة حتى تاريخه 40 مليار دولار. ان مؤشر البطالة وصل إلى نسب مقلقة إذ أنه بحسب منظمة العمل الدولي تخطى 36% وزاد معدل الفقر ليصبح 35% من مجمل الشعب اللبناني.

لم يعد من المقبول لدى اللبنانيين الاستهتار بعقولهم وبيعهم كلام فارغ المضمون فالمطلب الاساسي واحد الا وهو اعادة الاموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من قبل حكومة تكنوقراط تعيد الانتعاش للاقتصاد الوطني والعزة والكرامة للمواطن اللبناني.

في الختام كم اود ان يصحى اللبنانيون غدا على خبر دعوة فخامة الرئيس العماد ميشال عون جميع الذين استغلوا مناصبهم وعلاقاتهم لإبرام الصفقات المشبوهة والتعدي على المال العام وممارسة الفساد والرشوة الى قصر بعبدا حيث يستبقيهم ليس على مائدته إنما بالإقامة الجبرية وبصفته رأس الدولة وقائد القوى المسلحة يطلب من لواء الحرس الجمهوري إجبارهم على البقاء لحين استرداد جميع الأموال المنهوبة.

في خبايا التاريخ عبر مفيدة لحالتنا، لقد فعلها عدد من الرؤساء والأمراء عبر التاريخ من الولايات المتحدة الاميركية الى ماليزيا فالمملكة العربية السعودية وما بينهما ولم يعد أمامك سيدي الرئيس الا أخذ المبادرة وقلب الطاولة على رؤوس المنتفعين والإمساك بزمام الأمور فتعطي الشعب حقه و يخّلد اسمك التاريخ على صفحات من ذهب… والسلام.

اخترنا لكم

إغلاق