النشرة البريديةمونيتور الفساد

هل يكون ترشيد وتنظيم الفساد خطوة أولى للقضاء عليه؟

الفساد ليس حكراً على الدول النامية، بل يطال الكثير من الدول المتقدمة أيضاً، ولكن لديهم في دولهم قانون ولديهم مراقبة ومحاسبة، ونحن أيضاً لدينا قوانين ولكن ليست لدينا محاسبة. فقد كانت مشكلة الاتحاد الأوروبي عام 2003 هي توحيد معايير التعامل مع الفساد. فنتائج الفساد في أوروبا تراوحت ما بين تنحي رئيسة أحد الأحزاب السويدية “منى ساهلين” لأنها كذبت بشأن راتب حارسها الشخصي لمساعدته في الحصول على قرض. كان الحارس الشخصي يتقاضى راتباً شهرياً قدره 43 ألف كرونة سويدية، لكنها كتبت خطاباً يفيد بأن راتبه 120 ألف كرونة سويدية (كلفها ذلك مستقبلها السياسي)، الى سرقات “بيرلسكوني” في ايطاليا بالمليارات أو عمدة باريس السابق الرئيس الفرنسي “جاك شيراك” وغيرهم.

ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي ضهر في علم السياسة دراسات حول “الفساد المقارن” بهدف فهم هذه الظاهرة وبيئتها ومفاهيمها السائدة وأدواتها وكيفية علاجها. وفي مختلف الدول يعتبر الاقتصاد سليماً عندما يتم استخدام عوامل الإنتاج الأساسية ضمن قطاعات مختلفة كالصناعة والزراعة والخدمات. ولكن خلال فترات خلت من الزمن شهدت الكثير من الدول اقتصادات غير سليمة منها “اقتصادات الحرب” (كالاقتصاد اللبناني خلال الحرب الأهلية وغيره من الدول التي شهدت حروب)، و”اقتصادات المخدرات” أي تلك القائمة على تجارة وتهريب المخدرات وتبييض الأموال (كبعض دول أميركا اللاتينية)، و”اقتصادات الفساد”.

ويعرف اقتصاد الفساد بأنه احتكار الثروات بيد الاقلية من أهل اصحاب السلطة، فيغيب مبدأ تكافؤ الفرص في استثمار الثروات، أي لا يستطيع من لديه القدرة والكفاءة على الشروع بالاستثمار، لان الافضل لمن يعطي الرشوة على حساب الكفاءة. وفي ظل رؤيا اصحاب الفساد، يصبح الانتاج اقل كفاءة وأكثر تكلفة، فتهدر الموارد، ويسوء توزيعها. وتصبح النظرة قائمة على الماديات دون الإدراك او على الأقل، الالتفات للمعنويات، حيث يصبح هدف كل فاسد هو الحصول على المادة دون الاهتمام بالجانب المعنوي. ويزداد الامر سوءً إذا تخلى الانسان عن العادات والتقاليد الاجتماعية التي يمكن ان تقلل من الفساد في حال تم الالتزام بها دون الافراط بها. ويصبح الانسان عبداً للمال ولاهثاً للحصول عليه بأية وسيلة مشروعة او غير مشروعة. وهذه الاخيرة هي الاخطر اذ انها ستؤدي الى انحراف سلوك الانسان وبالخصوص الذي يملك منصباً في المؤسسات العامة، حيث يفضي الى ظهور السرقة والغش …الخ، وهذا ما يؤدي الى سوء الحياة الانسانية بشكل عام والاقتصادية بشكل خاص.

لا شك ان ما نسمعه ونشاهده اليوم من “محاولات انتقائية” لنبش الفساد والفاسدين من هذه الدائرة أو تلك، يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدوافع والأغراض الحقيقية الكامنة خلف هذا التحرك من قبل بعض أجهزة الدولة وليس كلها. إن محاربة الفساد دون أدنى شك هو مطلب لكل الشرفاء والمخلصين في هذا البلد، ونرجو استمراره وتوسعه من دون كيدية ولا محاباة. ولكن عسى ألا يكون مرتبطا بشروط مؤتمر “سيدر” ونعود الى وضعنا المتردي فور انتفاء الدافع والغرض. بمعنى آخر، عسى ألا تكون تلك التحركات فقط مؤقتة وجزئية الغرض منها تلميع وتبييض صورة البلد أمام المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المانحة. فمعالجة الفساد هي مبدأ ونهج واستمرارية وليس احتفالاً أو كرنفالاً أو مناسبة نفرح بها ونهلل لها.

قد يوافق كثر على القول بضرورة اجتثاث الفساد من جذوره في لبنان وهذا بطبيعة الحال مطلب لشريحة واسعة من المخلصين والشرفاء والأوفياء، ولكن البعض قد يوافق على ضرورة التدرج في مكافحة الفساد ومعالجة الملفات الواحد تلو الآخر كي لا يؤدي ذلك الى انهيار الدولة والاقتصاد. بمعنى آخر، إذا كنتم لا تستطيعون معالجة الفساد بالكامل، اعملوا أقلها في مراحله الأولى من أجل “ترشيد الفساد وتنظيمه”، وابحثوا سوياً في سبيل تقليله وتقنينه، فقد بلغت الأمور مدارك سيئة وسمعة المسؤولين والدولة أصبحت في الحضيض، ليس فقط داخلياً، بل على المستوى الدولي.
وقال تعالى في سورة المائدة،” ‏مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا” (الآية 32) فالفساد والقتل وردتا معطوفتين على بعضهما في هذه الآية الكريمة.

اخترنا لكم

إغلاق