إقتصاداقتصاد المستقبلمقالات رأي

هل لبنان بحاجة فعلا لأموال مؤتمر سيدر … واملاءاته؟! 

وفق آخر الإحصاءات الصادرة عن المصرف المركزي، تتجاوز موجودات المصارف اللبنانية ٢٤٥ مليار دولار . في حين ان الوعود المشروطة الصادرة عن مؤتمر سيدر تتحدث عن نية اقراض لبنان مبالغ قد تصل الى حدود ١١ مليار دولار ، وبعملية حسابية بسيطة نجد أن ما ننتظره من ترياق الدول والصناديق والبنوك الأجنبية المانحة لضخ الحياة في شرايين الاقتصاد الوطني، نملك ما يفوقه بأثني عشر ضعفا وما يزيد. فهل نحن بحاجة فعلا لأموال مؤتمر سيدر واملاءاته؟!
يهيمن دعاة النيوليبرالية الاقتصادية على المواقع التي لها تأثير واسع في المجال التعليمي ( الجامعات والعديد من مراكز الفكر والأبحاث) وعلى وسائل الإعلام ومجالس إدارة الشركات والمؤسسات المالية وعلى مؤسسات الدولة المالية ( وزارات المالية والمصارف المركزية) وكذلك على مؤسسات دولية كبرى كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي تنظم أعمال التجارة والمال في انحاء العالم كافة. فالنيوليبرالية باتت اليوم الأسلوب المهيمن في الخطاب الإقتصادي العالمي ، وأضحى لآثارها انتشار واسع في طريقة تفكيرنا، بحيث باتت أي مقاربة مغايرة للواقع الإقتصادي لأي دولة مرذولة ومسفهة، بمجرد كونها تخرج عن التنميط الفكري والتوجيه الإقتصادي اللذين تعتمدهما.
الواضح، من خلال التجربة، أن الثالوث غير المقدس، عنيت به صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وتوصياته ( إقرأ شروطه واملاءاته) للدول التي وقعت في شركه وحبائله سببا آثارا تدميرية وكارثية على اقتصاداتها واستقرارها الاجتماعي. وتتلطى الدول المانحة وراء خبرائه لفرض أجنداتها مقابل قروضها، والتي غالبا ما تصب في غير صالح الدول المقترضة، وتزيد من أعبائها الإقتصادية وتبعيتها السياسية وتسهم في تفسخ نسيجها الإجتماعي وخلق الاضطرابات وضرب إمكانية نهوضها.
ازاء هذا الواقع المرير، ماذا تستطيع الدول التي في طور النمو وتعاني من مشاكل إقتصادية بنيوية كلبنان أن تفعل في مواجهة هذه التحديات ؟
بينا في مستهل مقالنا أن موجودات المصارف اللبنانية تربو على ٢٤٥ مليار دولار، وهي مبالغ هائلة بالمفهوم الاقتصادي لدولة مثل لبنان ، بالنظر لمساحته الجغرافية وعدد سكانه. وتدلنا تجارب دول القارة الأفريقية وأميركا الجنوبية التي انصاعت الى توصيات ( شروط وإملاءات ) الثالوث غير المقدس على المصير الكارثي الذي وصلت اليه، على الرغم من امتلاكها لمقومات اقتصادية وثروات طبيعية كبيرة ( نيجيريا على سبيل المثال)، وبالتالي لا يعقل ان يتوقع أي شخص مخرجات مختلفة في حال كانت المدخلات والظروف متشابهة.
وعليه، نرى أن الحل يكمن في اقتفاء تجارب بعض الدول التي اعتمدت على امكانياتها الذاتية لمعالجة وضعها الإقتصادي الصعب، ولنا في تجربة اكتتاب المصريين في مشروع توسعة قناة السويس مثال ناجح.
من المتفق عليه ان تنمية أي بلد ونهوضه يتطلبان بنية تحتية ملائمة للعمل، تتمثل بتوفير الطاقة والمواصلات. ويعاني لبنان حاليا من أزمة انقطاع الكهرباء التي استنزفت موارد الدولة لسنوات، ومن أزمة سير خانقة بفعل شبكة طرقات رديئة وغير قادرة على استيعاب تدفق السيارات عليها، لغياب وسائل النقل المشترك وسكك الحديد، وتركز مجمل النشاطات الاقتصادية والحكومية في العاصمة، وعدم اعتماد اللامركزية الإدارية .
يمكن الاستغناء عن أموال مؤتمر سيدر ، من خلال تشركة المواطنين اللبنانيين في مشاريع البنية التحتية التي عرضت على المؤتمر المذكور بهدف تمويلها، وسأطرح بعض الأفكار للدرس والمناقشة علّ يكون فيها الخلاص من الأزمة الاقتصادية، وإعادة بث الروح في هياكل الوطن الإنتاجية، من خلال الاعتماد على الرأسمال اللبناني وعدم اللجوء الى الاقتراض الخارجي، مع ما يرتب ذلك على الوطن من تداعيات إقتصادية وإجتماعية وأمنية نحن بغنى عنها.
لنبدأ من القطاعات الثلاثة الأكثر أهمية وإلحاحا ألا وهي الكهرباء وسكك الحديد والطرق والأنفاق.
يمكن تقدير حصة الدولة بخمسين بالمئة من قيمة مؤسسة الكهرباء وسكك الحديد والطرقات، ويطرح للاكتتاب الوطني نسبة الخمسين بالمئة الأخرى والتي تخصص لبناء معامل الإنتاج وتطوير خطوط النقل ( في قطاع الكهرباء) وشراء مقطورات سكك الحديد وإعادة ترميم هذه السكك وتأهيل المحطات ( في قطاع سكك الحديد) وتوسيع الطرق الموجودة وشق طرق جديدة وحفر الأنفاق التي تصل الساحل بالداخل واستعمالها لقاء بدل مادي، أسوة بالعديد من الدول ( في قطاع الطرق) على يبلغ سهر السهم ١٠ دولارات اميركية، وألا تتعدى حصة الاكتتاب لكل مواطن ١٠ آلاف سهم في كل قطاع، منعا لأي احتكار، على أن تفرج المصارف الوطنية عن الأموال المجمدة لآجال طويلة بهدف الاكتتاب في هذه المشاريع فقط، والتي يجب أن تكون إدارتها مشتركة بين القطاعين العام والخاص.
إن من شأن هذا الاقتراح أن يعزز حس الانتماء الوطني ، ويجعل اللبناني اكثر تشبثا بأرضه، ويحد كثيرا من التهرب الضريبي، لأن المكلف بالضريبة هو في الوقت عينه صاحب مصلحة في زيادة واردات الدولة التي ستعود عليه بالربح بوصفه شريكا في الأرباح .
بعد إنجاز مشاريع الطرق والأنفاق وسكك الحديد، وربط لبنان بشبكة مواصلات حديثة وسريعة، يمكن طرح الأراضي التي يشغلها حاليا مرفأ بيروت للبيع أو للإيجار ، نظرا لسعرها المرتفع بفعل موقعها المميز، ونقل البواخر الى مرفأي طرابلس وصيدا، وبذلك نكون قد نمينا مناطق الأطراف وخففنا من أزمة السير والتلوث في العاصمة.
هذه بعض الأفكار القابلة للدرس والنقاش أطرحها على أصحاب الشأن، والتي تقدم مقاربة مختلفة لمعالجة الأزمة، والتي ستجد رفضا أكيدا من عدد لا بأس به من منظري الاقتصاد النيوليبرالي الذين يجهدون في إغراق البلد بالديون تمهيدا لتخصيص قطاعاته، وحصر الإفادة ببعض الشركات العابرة للحدود ووكلائها المحليين، أو أصحاب الثروات المتضخمة في لبنان الذين لا يقيمون أي اعتبار للمواطنين أو للمصلحة الوطنية. فهل من يجرؤ على المبادرة؟

الوسوم
إغلاق