إقتصاداخترنا لكممصارفمقابلات

هل قضت الأزمة النقدية على الرفاهية اللبنانية؟

يشكل الوضع الاقتصادي اللبناني المتدهور حالياً عقبة كبيرة أمام تحقيق التنمية الاجتماعية وإجراء الإصلاحات التي طالب بها المحتجون منذ 17 أكتوبر الماضي معلنين سخطهم على السياسات المالية والاقتصادية كما والفساد الذي أغرق البلاد في دين غير مضبوط يتطلب معجزة للخروج منه.

في هذا السياق ناقش الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي الخوري آخر تداعيات الأزمة الاقتصادية وسبل الخروج الآمن منها خلال لقائه في إحدى حلقات برنامج نور جديد المذاع عبر فضائية نور الشرق اللبنانية.
في مستهل حديثه قال الخوري بأن الوضع الاقتصادي الراهن في لبنان رغم كونه لا ينذر بأي مؤشرات إيجابية حتى على صعيد القطاع المصرفي والذي طالما كان مشهودا له بالثقة والصمود في وجه الأزمات، إلا أنه دائماً ما يكون هناك بصيص أمل إيجابي. لاشك أن الأزمة الحالية يمكن وصفها بالأكثر شدة في تاريخ لبنان منذ المجاعات التي حلت بالبلاد في عام 1914 ورغم كل الحروب التي شهدها الكيان اللبناني في الماضي، إلا أن الوضع الراهن يعتبر أشد وطأة من كل الأزمات السابقة، والتي نجح لبنان في التغلب عليها وتحقيق الاستقرار فيما بعد.

وتابع الخوري بأن المواطن اللبناني حاليا بات غير قادر على الإفلات من شبح الأزمة الاقتصادية التي تخيم على أرجاء البلاد، إلا أن الأمل لازال معلقاً نسبيا على المواطن نفسه. صحيح أنه قد يبذل بعض التضحيات ويقدم بعض التنازلات، وقد لا تكون فكرة تغيير نمط حياة المواطن اللبناني المعتاد على الانفتاح والترفيه في ظل بلد يتمتع باقتصاد حر أمرا سهلا، إلا أنه ليس مستحيلا، فالمردود سيكون إيجابي بلا شك، وذلك لأن إنقاذ الاقتصاد يتطلب الكثير من الجهد والتكاتف بين الدولة والشعب.
لافتاً إلى أن أكثر ما يشغل بال المواطن اللبناني حاليا هو السؤال عن مدى استمرارية تلك الأزمة وهل من سبيل للخروج منها بعد بذل التضحيات؟ وحقيقة، فإن الإجابة على تلك التساؤلات المستقبلية تتطلب تضافر أجهزة الدولة لتشكيل خلية لإدارة الأزمة. فالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد ما زال يمكن وصفه بالأزمة وليس بالكارثة وبالتالي فلا زالت هناك مساحة للتحرك واحتواء الموقف.

كما أشار الخوري إلى المعضلة الكبرى التي تقف عائقاً في سبيل تحقيق النمو الاقتصادي، ألا وهي الدين العام والمقدر بـ 90 مليار دولار ، الأمر الذي لا يتناسب مع إجمالي الناتج المحلي، مما يخلق فجوة خطيرة في الاقتصاد. وقد تسببت الأزمة الاقتصادية الحالية في خلق أزمة مالية بالبلاد، ومن ثم أزمة نقدية، ولعل الأخيرة هي ما باتت تعكر صفو المواطن اللبناني خلال الأشهر القليلة الماضية وذلك منذ قيام البنوك بفرض قيود على السحوبات المالية وتقويض صرف الدولار، مما أثر سلبا على الأوضاع المعيشية للشعب اللبناني.

وبالتالي فإنه لابد من التأكيد على دور المواطن اللبناني في إدارة الأزمة من خلال قيامه بإحكام السيطرة على المحفظة المالية الخاصة به وذلك من خلال إعادة ترتيب أولوياته وضبط الإنفاق والتنازل عن بعض أوجه الترف.
ولا يقتصر الأمرعلى الأفراد فقط بل يشمل الشركات أيضا والتي لديها الكثير من المعاملات وأوجه الإنفاق الخاصة بالتشغيل. وبالتالي فقد أصبح الجميع مضطرا إلى التكيف مع الأوضاع الحالية وذلك ضمانا لاستمرار وبقاء الكثير من الشركات والمؤسسات وبخاصة أن الأزمة الحالية قد تسببت في فقدان الآلاف لوظائفهم، فضلا عن أن كثير من الباقين ممن هم لازالوا على قوة العمل يتقاضون نصف أجورهم فقط.
ومن التداعيات المؤسفة للأزمة الاقتصادية أيضا ، ارتفاع نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، والتي قفزت من 27% إلى 50% أي أن نصف الشعب اللبناني تقريبا بات مصنفا ضمن تلك الطبقة محدودة الدخل. والتي اتسعت لتضم الكثيرين تحت مظلتها مؤخرا.

كما أشار الخوري إلى أن خطورة الوضع الحالي تطال بصورة كبيرة الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم والتي تعد المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد اللبناني لأنها تعمل داخل الوطن تؤثر فيه وتتأثر به. وبالتالي فإن عدم قدرة الشركات الصغرى على الصمود في وجه الرياح الاقتصادية العاتية ينذر بوضع كارثي، حيث لن يكون هناك أي فرصة لبناء اقتصاد استثماري بخاصة في ظل التفاوت الكبير بين حجم الصادرات والواردات، فالدولة تعتمد على الاستيراد في المقام الأول دون وجود يعتد به للصناعة الوطنية.

ومن الحري ان نعترف جميعا بأن ما وصلنا إليه حاليا هو نتاج الماضي أي أن الثورة ليست مسؤولة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وبلوغ الأمور ذروتها على هذا النحو. هذا في ظل غياب واضح لأي مخطط لإدارة الأزمة ووضع بعض التصورات والمقترحات. مما يجعل الآمال لازالت معلقة على المجتمع الدولي كي يقوم بتقديم المنح المتفق بشأنها سابقا في سيدر إلى لبنان، فبدون النقد الأجنبي، سوف تتوقف كافة الأنشطة والمناحي الحياتية في البلاد وسوف يواجه لبنان مصير مجهول لا يحمد عقباه.

ومن ناحية أخرى، لابد من اتخاذ بعض الإجراءات والتدابير النقدية العاجلة التي تستهدف إنقاذ الموقف الراهن ولو بصفة مؤقتة وذلك حتى تتمكن القيادة السياسية من إجراء إصلاحات هيكلية تستهدف النهوض بالاقتصاد وتحقيق النمو.
ويبقى الحل الذي يعول عليه الجميع حاليا هو تشكيل حكومة مدنية تكنوقراط تشمل مجموعة من الاختصاصيين بعيدا عن المحاصصة الطائفية والانتماءات الحزبية والتي من شأنها تقديم الحلول ووضع الخطط الملائمة لإنقاذ مستقبل لبنان.

اخترنا لكم

إغلاق