إقتصاداقتصاد الطاقةالنشرة البريديةمقالات رأي

هل عام 2020 بداية النهاية لعصر النفط؟

المملكة المتحدة- لندن

يعتبر شخصا شجاعا أو محللا متهورا من يستطيع التنبؤ بدقة ماذا سيحدث لأسعار النفط خلال عام 2020 او 2021.
في أواخر 2018 مع اقتراب نهاية اتفاق خفض الإنتاج بين أوبك وحلفائها وهو العام الثاني للاتفاق، حينها بلغ متوسط سعر البرميل لمزيج برنت القياسي 56.60 دولار وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط 49 دولار للبرميل في ديسمبر كانون الأول 2018. ووافقت أوبك على تمديد اتفاق خفض الإنتاج مرة أخرى في عام 2019. ومنذ بداية 2018 تأرجحت أسعار النفط بين 63.70 دولار للبرميل في يناير كانون الثاني 2018 و 66.25 دولار في ابريل نيسان و 68.01 دولار في أغسطس آب و 56.96 في نوفمبر تشرين ثاني 2018. وبعد عدة شهور اعلنت واشنطن فرض عقوبات على ايران لمنعها من تصدير النفط ومنع 5 من كبار المستوردين مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية من استيراد النفط الإيراني.
وفي نهاية عام 2018 جاءت موجة من التنبؤات حول ما سيحدث لأسعار النفط عام 2019.

تنبؤات البنك الدولي لعام 2019

حذر البنك من عدم توافر انتاج فائض من منظمة أوبك وعن الحاجة لتعويض أي شح في الإمدادات، الأمر الذي سيؤدي الى ارتفاع شاهق في الأسعار وتنبأ البنك معدل سعره بحدود 67 دولار عام 2019 أي دولارين اقل من معدل 2018. وفي الحقيقة كان معدل سعر مزيج برنت القياسي حوالي 63 دولار للربع الأول من 2019 و 68 دولار للربع الثاني و 62 دولار للربع الثالث.

تنبؤات مجموعة سيتي بنك المصرفية

بينما تنبأ مصرف سيتي بنك في ديسمير سعر 60 دولار للبرميل خلال 2019 . كما تنبأ المصرف تقلبات في السوق بسبب تضارب مصالح وأجندات واشنطن وموسكو والرياض والثلاثة هم من اكبر منتجي النفط في العالم. وفعلا ارتفع الانتاج الأميركي بمعدل 1.2 مليون برميل يوميا وهي الكمية التي اتفقت اوبك على تخفيضها خلال عام 2019. والحقيقة كان معدل أسعار النفط لعام 2019 حسب مصادر ترصد السوق النفطي 64.12 دولار لخام برنت القياسي و 56.97 دولار للبرميل لخام غرب تكساس الوسيط.

تنبؤات بنك أوف أمريكا ميريل لينش

تنبأ المصرف أواسط ديسمبر كانون أول 2018 ان سعر مزيج برنت سيصل إلى 70 دولار كمعدل خلال 2019 مع احتمال أسعار اعلى في الربع الثاني من العام. وفقد المصرف بعض المصداقية عندما تنبأ سعرا يتجاوز 100 دولار للبرميل بسبب تخفيضات أوبك.. ولكن في أغسطس آب 2018 أصدر المصرف تنبؤا جديدا ان الأسعار قد تهبط بمعدل 30 الى 40 دولار للبرميل إذا اخذت الصين قرارا بتجاهل العقوبات الأميركية وقامت باستيراد كميات كبيرة من النفط الإيراني.
التباينات في تنبؤ سعر النفط تؤكد صعوبة التوقع المسبق للسوق النفطي والعوامل التي تؤثر على الأسعار ارتفاعا وانخفاضا.

الأسباب الحقيقية لعدم ارتفاع أسعار النفط لمستويات مرتفعة فوق 80 دولار حسب التوقعات؟

من الواضح أن عام 2019 لم يكن جيدا بالنسبة للنفط رغم تخفيضات الإنتاج من قبل منظمة أوبك وشركاؤها من خارج المنظمة وبقيت الأسعار القياسية دون المستوى الذي تعتبره أوبك سعرا جيدا لمنتجاتها. وقد نتساءل كيف حدث هذا ؟
أولا وقبل كل شيء ، حدث ذلك بسبب ارتفاع انتاج الزيت الصخري الأميركي ، وأكدت ذلك بلومبيرغ قبل أسابيع في مقال يتعلق بالنفط في 2019. هناك توافق في الآراء بشأن دور نمو إنتاج النفط الصخري الأمريكي وتأثيره على اسواق النفط وكبح جماح الأسعار.

لذا يعتبر نمو إنتاج النفط الأمريكي السبب الرئيسي لنمو الإمدادات من خارج الأوبك التي تعمل كثقل موازن لجهود الأوبك في خفض الإنتاج. وكان إنتاج النفط الصخري الأمريكي – الذي سجل ارتفاعا قياسيا هذا إلى أكبر منتج للنفط في العالم. وقد أعلن محللون وسماسرة سفن اوائل ديسمبر 2019، أن صادرات النفط الخام الأمريكية قد تلامس مستوى أربعة ملايين برميل يوميا لأول مرة على الإطلاق خلال الشهور المقبلة، وذلك بسبب ارتفاع الطلب على أنواع الخام المنخفضة الكبريت وإتمام مشروعات خطوط أنابيب وتصدير بمحاذاة ساحل الخليج الأمريكي.

ومن الحقائق التي لا يمكن الجدال فيها أن أوبك لم تعد المصدر الوحيد الكبير للنفط لتلبية حاجة الدول المتعطشة للطاقة. الآن يوجد بلد آخر يضخ أكثر من 12,000,000 برميل يوميا مع عدم وجود خطر من الاضطرابات ويلبي معظم الحاجة المحلية ويصدر النفط للخارج. فهذا عامل مساعد لا يستهان به في كبح معدلات ارتفاع الأسعار في السوق ورأينا هذا في 2019 وكان أكثر وضوحا من اي وقت مضى. وأصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم. وتليها روسيا ثم السعودية.
ويبدو ان السوق تجاهل انقطاعات واضطرابات الانتاج النفطي في فنزويلا وليبيا ونيجيريا وكذلك توقف التصدير الايراني.

كذلك ارتفعت الأسعار لبضعة أيام فقط اثر الهجمات الصاروخية على البنية التحتية النفطية السعودية . حيث ارتفعت الأسعار الى 71.95 دولار لخام برنت القياسي للبرميل لفترة وجيزة ثم عادت الى معدلاتها السابقة اي اسعار دون 70 دولارا للبرميل.وارتفع خام غرب تكساس الوسيط الى 63.34 دولار للبرميل قبل ان يتراجع للمستويات السابقة.
ومن المثير أنه سمعنا تحليلات وقرأنا مقالات تفترض وتتكهن أن الأسعار سترتفع إلى 200 دولار للبرميل وكانت الهجمات قد أدت إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط ، ولكن الافتراض هو جزء من لعبه أسعار النفط التي لها تأثير ضئيل على الأسعار الفعلية.
وحتى اتفاق أوبك الأخير لزيادة التخفيضات بواقع 500 الف برميل يوميا الى 1.7 مليون برميل يوميا فشل في التأثير كثيرا على السوق الذي كان يتوقع تخفيضات أعمق من ذلك.

توقعات ارتفاع الطلب العالمي

ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الأخير عن سوق النفط ان سوق الطلب العالمي على النفط قد يرتفع بواقع 700,000 برميل في اليوم في أوائل 2020. هذا على الرغم من الجهود التي تبذلها أوبك وروسيا في تخفيض الإنتاج. كما تتوقع الوكالة نمو الإنتاج الأمريكي. وقالت الوكالة ان هذا الإنتاج سيؤدي إلى نمو الإمدادات من غير الأوبك ب2,300,000 برميل يوميا حيث توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يزيد إنتاج النفط من خارج الدول المصدرة (أوبك) بمقدار 2.3 مليون برميل يوميا في 2020.
وأوضحت الوكالة في نوفمبر ، في بيان أن زيادة الإنتاج النفطي من خارج أوبك العام المقبل ستكون بقيادة الولايات المتحدة والبرازيل والنرويج وغيانا. بينما سيستمر تباطؤ النمو في الطلب العالمي على النفط.

تفاءل في ارتفاع الطلب والأسعار

يبدو ان هناك في الأفق القريب تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين . ورأينا في الأيام الأخيرة لعام 2019 تحسن متواضع في الأسعار، حيث ارتفع خام برنت بنسبة 0.4% ليصل الى 67.48 دولار للبرميل وصعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.4% أيضا إلى 61.36 دولار للبرميل. وجاء الارتفاع مع الأنباء بشأن احتمال اتفاق تجاري أولي ومرحلي بين واشنطن وبكين وجهود أوبك لتخفيض الامدادات. وهذا يشير الى تحسن في الأسعار في الربع الأول من عام 2020.

هل انتهى عصر النفط؟
وماذا عن مستقبل النفط والغاز والفحم الحجري؟
صدر قبل أيام تحذير متشائم من موقع برايس كوم الذي يرصد أسعار النفط بعنوان:
?Is This The Beginning Of The End For Fossil Fuels

على المدى البعيد يعتقد خبراء المصرف الاستثماري الاستشاري غولدمان ساكس أن النفط سيموت. ليس بسبب جهود حماة البيئة والمناخ فقط. ولكن تردد مصارف الإقراض والاستثمار في الطاقة، حيث بدأت المصارف في الامتناع عن ضخ المال لتمويل مشاريع التنقيب عن النفط واكتشافه. كما أن المصارف غير متحمسة لمنح قروض لشركات الطاقة لاستخراج الوقود الأحفوري مثل النفط والفحم الحجري.
ويرى مصرف غولدمان ساكس أنه على المدى البعيد سيموت النفط والفحم الحجري بسبب نشاطات منظمات حماية البيئة والتنمية المستدامة وكذلك تنامي البحوث في مجالات الطاقة البديلة المتجددة التي تساهم في القضاء على صناعة النفط في المدى البعيد ربما بحلول نهاية القرن. ولكن لخمسين عاما مقبلة لا يوجد بديل عملي واقتصادي للنفط والغاز. لذا لا حاجة للهلع.

اخترنا لكم

إغلاق