اخترنا لكممصارفمقالات رأي

هل تشكل ازمة السيولة فرصة ذهبية لتبييض الأموال في لبنان؟

من المتعارف عليه عالمياً أن تبييض الأموال هو جريمة اقتصادية الغاية منها إضفاء طابع الشرعية على أموال نتجت عن أعمال غير مشروعة كتجارة المخدرات والأسلحة وشبكات الدعارة و عمليات الإختلاس وغيرها. ويتم إضفاء طابع الشرعية على تلك الأموال عبر النجاح في إدخالها إلى قنوات إستثمار شرعية بهدف إخفاء مصدرها الحقيقي لتبدو فيما بعد وكأنها نتجت عن أعمال مشروعة، فيسهل أمر التصرف بها أو استثمارها أو حيازتها.

وفي خضم الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالبلاد، وحالة الهلع التي أصابت أصحاب الودائع وسط مخاوف من إنهيار إقتصادي ومالي، وتدافعهم لسحب مدخراتهم أو تحويلها إلى الخارج، لجأت المصارف المحلية إلى وضع قيود على الودائع لجهة السحوبات النقدية والتحويلات إلى الخارج بهدف إدارة سيولتها ومنع استنزافها من جهة، إضافةً إلى تفادي هروب رؤوس الأموال والحفاظ على النقد الأجنبي من جهة أخرى في ظل إقتصاد مدولر بإنتظار الفرج السياسي وضخ الأموال الدولية اللازمة من الخارج.

في هذا السياق، وجد حملة الشيكات المصرفية أنفسهم أمام معضلة تحصيل تلك الشيكات وخاصة إذا كانت بالعملة الصعبة. فهم غير قادرين على تسييلها إضافة إلى تخوفهم في الوقت نفسه من فقدان مالهم، مما أدى إلى إزدهار تجارة الشيكات في لبنان. بمعنى آخر هناك جهات وأشخاص في لبنان نشطوا في مجال شراء الشيكات المصرفية مقابل عمولة مرتفعة من قيمتها تصل إلى 30% وأحياناً أكثر. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تحمل شيكاً مصرفياً قيمته مائة ألف دولار، تذهب إلى أحد هؤلاء الأشخاص أو الجهات لتبيعهم هذا الشيك مقابل سبعين ألف دولار نقداً وذلك خارج سياق عمل القطاع المصرفي بالكامل.

هذا الوضع الراهن أوجد فرصة ذهبية لأصحاب الأموال النقدية المشبوهة، المحفوظة خارج القطاع المصرفي والناجمة عن أعمال غير مشروعة، لأجل تبييضها وإدخالها بشكل نظيف إلى القطاع المصرفي. فصاحب المال المشكوك بمصدره كان يدفع في السابق عمولة لمن يساعده على تبييض أمواله وإدخالها إلى القطاع المصرفي، أما اليوم فأصبح هو من يحصل على العمولة من صاحب الشيك ويتمكن لاحقاً من تبييض أمواله بواسطة المصرف الذي سيُودع فيه الشيك الذي إشتراه، إضافة إلى تحقيقه أرباحاً إضافية من عملية التبييض ناتجة عن الفرق بين القيمة الأساسية للشيك والمبلغ النقدي الذي دفعه ثمناً لذلك الشيك.

السؤال الأساسي الذي يجب طرحه: ما هو مصدر هذه الأموال النقدية التي تُدفع لبائعي الشيكات؟ هل هذه الأموال أتت من أعمال مشروعة أم من أعمال غير مشروعة؟ بالطبع لا أحد يسأل لأن بائع الشيك جل ما يهمه هو الحصول على المال النقدي. أما فيما خص الشيك نفسه، فسيُوضع في نهاية المطاف في المصرف، مما يعني أن من قام بشراءه يستغني عن أموال نقدية لم يسأل أحد عن مصدرها مقابل أموال مسجلة دفترياً محتجزة من قبل المصرف، ولكنها في النهاية أصبحت أموالاً مشروعة ونظيفة صادرة عن المصرف.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن التعميم على أن كافة عمليات شراء الشيكات المصرفية تخفي تبييضاً للأموال لأن المعيار الأساسي ليس في العملية نفسها بل في مصدر الأموال النقدية التي تُدفع ثمناً لتلك الشيكات والتي قد تكون أموالاً نظيفة في الأساس هدف أصحابها إلى تحقيق الربح فقط كما أنها قد لا تكون أموالاً نظيفة هدف أصحابها إلى تبييضها.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى