إقتصادالنشرة البريديةمصارفمقابلات

هل تشبه أزمة شح الدولار في حرب تموز 2006 أزمة 2019؟

في إطار تناول الأحوال الاقتصادية المتأزمة في لبنان وتداعياتها الواضحة على القطاع المصرفي، ناقش الدكتور ايلي الخوري الخبير الاقتصادي وناشر الموقع الاقتصادي Banking Files على شاشة OSN الأوضاع الراهنة والتوقعات المستقبلية على الصعيد الاقتصادي، وبخاصة في ظل ما تمر به البلاد من موجات احتجاجية مطالبة بإجراء حزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية.

في حديثه، قال الخوري إن الأزمة المالية التي تمر بها البلاد تحمل ثلاث تداعيات أساسية، أولا ما يتعلق منها بالتداعيات على الصعيدين المالي النقدي والاقتصادي بوجه عام، ثانيا الشق الاجتماعي للأزمة والمتمثل في معاناة المواطنين اللبنانيين من نقص في الخدمات الأساسية ، وثالثا ما يتعلق بالشق الأمني، فالأزمة الاقتصادية من شأنها خلق حالة من المواجهات الشعبية في الشارع اللبناني مما يتسبب في إحداث نوع من الفوضى. وبالتالي فإن تدهور الوضع الاقتصادي يلقي بظلاله على أبعاد متعددة وليس محصورا فقط بالجانب النقدي.

وأشار الخوري إلى ان خطورة الوضع هو وجود أزمة ثقة مؤخرا بين المواطن اللبناني والنظام المصرفي نتيجة فقدان الثقة في السياسات الاقتصادية منذ تسعينات القرن الماضي بسبب الممارسات الخاطئة التي اتبعت. فمنذ ذلك الحين والأوضاع النقدية تعاني من عدم استقرار وقد تفاقم الوضع إلا أن المواطن اللبناني كان على درجة من الثقة في العملة الوطنية وقد ترجم ذلك خلال الحرب اللبنانية الإسرائيلية في تموز من سنة 2006 التي تمكن القطاع المصرفي من تجاوز الأزمة النقدية ومسألة فقدان الدولار من السوق بحكمة اللبنانيين وحسن ادارة مصرف لبنان لتلك المرحلة.

وأوضح الخوري أن ما حدث في 2006 على الصعيد المصرفي يختلف كليا عما تشهده البلاد الآن وذلك نظرا لاختلاف حجم الدين العام والذي بدا مقبولا نسبيا في عام 2006 إلا أن الوضع الحالي المتمثل في تفاقم بحجم المديونية الى النمو السلبي كما وتخفيض التصنيف الدولي من B إلى C- قد أثر بصورة سلبية على أوضاع المصارف اللبنانية التي مولت ثلث القروض الحكومية. وبالتالي فإن الأوضاع الحالية أصبحت حرجة للغاية وتنذر بتهديدات ومخاطر كثيرة، مما يفرض الحاجة إلى تدخلات وقرارت حاسمة وحازمة وموجعة تجنبا للوقوع في الانهيار التام.

كما لفت الخوري إلى أن السياسات المالية المتبعة منذ عام 2005 في لبنان والتي استندت في أساسها إلى تطبيق قاعدة الاثني عشرية، قد تسببت على مدار الحكومات المتعاقبة إلى المزيد من هدر في المال العام، وبالتالي فإن الافتقار إلى وجود سياسات اقتصادية استثمارية قد خلقت حالة من فقدان الثقة بين المواطن والحكومة الى ان وصلت حاليا إلى القطاع المصرفي .

ان الخطيئة القاتلة التي وقعت فيها الدولة هي أنها قد أغفلت الإنفاق الاستثماري وتطوير البنى التحتية واعتمدت على الاقتصاد الريعي فحسب الذي يهمل الخطط الإنتاجية التي تعد في أساسها المصدر الرئيسي للإيرادات. وقد تسبب هذا الاقتصاد الريعي في خلق فجوة بين نفقات الدولة وإيراداتها مما أدى الى ظهور العجز حيث أن نحو 40 % من حجم الإيرادات تنفق على الأجور والمعاشات فضلا عن ان نسبة 35% من أموال الدولة تذهب في اتجاه خدمة الدين العام اضف الى ذلك قيمة الإنفاق السنوي على قطاع الكهرباء والتي تقارب المليارين دولار. وبالتالي فإن الإنفاق الاستثماري والبالغ نحو 5% فقط من حجم النفقات يذهب في اتجاه تطوير البنى التحتية، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في الخدمات الأساسية ويعكس صورة واضحة عن سوء التخطيط الحكومي واقتراب حجم الدين العام إلى 90 مليار دولار ما هو الا دلالة واضحة على فشل الحكومات اللبنانية المتعاقبة في إدارة شؤون البلاد.

بالإشارة إلى أحد الملفات المشبوهة وهو ملف التوظيف، قال الخوري إنه على الرغم من صدور قرار حكومي في عام 2017 بمنع التوظيف في القطاع العام، إلا أنه تم مخالفة هذا القرار وبالفعل تم توظيف ما يزيد عن 5000 موظف خلال تلك الفترة مما يؤشر على المزيد من الهدر في المال العام.

من الملاحظ أنه على مدار السنوات الماضية وحتى الآن لم تنجح الحكومات المتعاقبة في وضع سياسات إنتاجية فاعلة تعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي للمجتمع اللبناني ورفع قيمة الصادرات، مما جعل حجم الاعتماد على الواردات أكبر، الأمر الذي يرتبط في مضمونه بزيادة الاعتماد على الدولار وفقدان الثقة تدريجيا في الليرة

وبالحديث عن السياسات المصرفية القائمة على منح القروض والسندات الحكومية والتي تسببت في خلق أزمة مع المودعين الذين باتوا عاجزين عن استرداد اموالهم في أغلب الأحوال، أكد الخوري أن معظم المصارف اللبنانية التي بالغت في إقراض الدولة طمعا في جني الفوائد قد وقعت الآن في مأزق، مما أثر سلبا على الودائع في المصارف اللبنانية فبات البنك هو الآخر عاجزا عن إرجاع تلك الأموال إلى أصحابها خشية الإفلاس، مما تسبب في خلق أزمة اجتماعية خطيرة وحالة من الرفض العام للسياسات المصرفية المفتقرة إلى التخطيط.

هنا تجدر الإشارة إلى وجود حالة من التخبط في قرارات القائمين على القطاع المصرفي والتي أثرت سلبا في الآونة الأخيرة على حياة المواطن العادي، فهناك بعض الأنباء عن حدوث تحويلات مالية ضخمة خارج البلاد على مدار الأيام القليلة التي فتحت فيها البنوك أبوابها منذ اندلاع الثورة، وتلك التحويلات لم تكن في صالح المواطنين بل تمت لصالح كبار المودعين ممن يحظون بعلاقات مقربة من صانعي القرار داخل المصارف وهذه مخالفة قوية يعاقب عليها القانون، لأن عملية تهريب الاموال وتحويلها الى خارج البلاد على حساب المواطن اللبناني تمثل أحد أهم أبعاد الأزمة الراهنة.

اخترنا لكم

إغلاق