اخترنا لكماقتصاد الطاقةمقالات رأي

هل تتبخر أحلام محمد بن سلمان بواقع اصدارت “ارامكو”؟

المملكة المتحدة- لندن

عندما اكتشفت شركات أميركية النفط في السعودية عام 1938 تم تأسيس شركة الزيت العربية الأميركية. وبحلول 1980 استحوذت الحكومة على جميع أسهم الشركة واشترت أسهمها بالكامل وأصبحت 100% شركة سعودية وفي عام 1988 صدر مرسوم ملكي بتأسيس شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) كما تعرف الآن.

تبلغ الاحتياطات النفطية المؤكدة 260 مليار برميل من المكافئ النفطي مما يجعل أرامكو من أكبر الشركات العالمية من حيث حجم الاحتياطيات والتي تتجاوز احتياطيات ثلاثة من كبار شركات الطاقة العالمية وهي اكسون-موبيل وشيفرون وبريتيش بيتروليوم مجتمعة. أرامكو لديها مخزون نفطي يكفي لمدة 52 عاما وبتكلفة إنتاج قليلة وإدارة جيدة. وينوه الخبراء ان الشركة تعتبر ناجحة حسب المعايير العالمية. وعبّر المصرفيون الذين رفضوا تقديرات الأمير محمد بن سلمان البالغة 2 تريليون دولار لقيمة أرامكو السوقية، عن اعجابهم بالمهارات التقنية التي استعادت الإنتاج بعد فترة قصيرة من تعرضها لهجمات صاروخية في أيلول الماضي.

تنتج أرامكو حاليا 10.5 مليون برميل يوميا وتمتلك قدرات تكريرية تبلغ 5 ملايين برميل يوميا وانتاج بتروكيماويات. وهناك خطط لرفع القدرة التكريرية الى 8-10 ملايين برميل يوميا بحلول 2030 .
كما أن أرامكو تعتبر من اكبر الشركات ربحية في العالم حيث حققت أرباحا تبلغ 111 مليار دولار عام 2018. ورغم الأرقام المذهلة الا ان المراقبون والمحللون يعتبرون أن “ارامكو” اداة استراتيجية وجيو-سياسية واقتصادية في يد الحكومة السعودية.

الجدول الزمني لقصة الطرح الأولي:

في شهر أبريل نيسان 2016 أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن خطته لبيع 5% من قيمة أرامكو السوقية من خلال طرح عام اولي في بورصات عالمية مثل لندن ونيويورك لتحقيق إيرادات تبلغ 100 مليار دولار مما يجعل قيمة الشركة السوقية 2 تريليون دولار. وفي 2017 تم تعيين مجموعة من المصارف الاستثمارية الاختصاصية في مجال الطروحات الأولية في اسواق البورصة. وتهافتت المصارف الأمريكية على عرض خدماتها للمساعدة في طرح محلي وعالمي يعتبر أكبر طرح لأسهم شركة في التاريخ. في عام 2014 حقق الطرح الأولي لأسهم شركة علي بابا الصينية القابضة 25 مليار دولار وكان الأكبر حتى الآن.
في عام 2018 تم تأجيل الطرح الأولي حتى عام 2019 او 2020 ولكن الطرح الأولي الكبير لخمسة بالمائة من قيمة أرامكو لم يحدث واكتفت أرامكو بطرح محلي بنسبة 1.5% من قيمة الشركة.
وفي مارس آذار 2019 أعلنت أرامكو عن استحواذ شركة سابك للبتروكيماويات بمبلغ 69 مليار دولار من صندوق الثروة السيادي السعودي بهدف ضخ سيولة جديدة في صندوق الاستثمار السعودي العام.
في أبريل نيسان 2019 أصدرت أرامكو سندات للبيع بقيمة 12 مليار دولار ولأول مرة كشفت معلومات عن الاحتياط النفطي.
وفي 2 سبتمبر أيلول 2019 عينت المملكة العربية السعودية “ياسر بن عثمان الرميان” رئيسا لمجلس إدارة شركة أرامكو السعودية ، في خطوة تمهّد لطرح الشركة في اكتتاب عام.
و في 8 سبتمبر أيلول أصدر العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرا ملكيا بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرا للطاقة في المملكة وذلك خلفا لخالد الفالح.
وفي 14 سبتمبر ايلول تعرضت منشآت نفطية هامة لهجوم صاروخي مصدره إيران.
وكنتيجة لهذا الهجوم قفزت أسعار النفط بنسبة 19% لتصل إلى 71.95 دولار للبرميل بينما صعدت العقود الآجلة للخام الأمريكي أكثر من 15 في المئة إلى 63.34 دولار للبرميل. ويعتبر هذا الارتفاع في أسعار النفط هو الأكبر منذ حرب الخليج عام 1991. ولكن الأسعار تراجعت وتتأرجح الآن بين 60 و 63 دولار للبرميل.

2 ترليون دولار تقييم مبالغ به ومثير للجدل

كان هنالك شكوك حول قيمة 2 تريليون دولار التي وضعها الأمير محمد بن سلمان ومخاوف من قضايا قانونية أدت الى تأجيل الطرح. لذلك تم التخلي عن الطرح الأولي لخمسة بالمائة من قيمة ارامكو في البورصات العالمية حيث أعلنت أرامكو في نوفمبر تشرين الثاني 2019 رسميا عن إلغاء طرح 5% المخطط له منذ 2016 وطرح فقط 1.5% من قيمة أرامكو على بورصة التداول المحلية لجني 25 مليار دولار مما يشير الى تقليل قيمة أرامكو إلى 1.6 تريليون دولار. حتى ان بعض المصارف والصحف المالية تتحدث عن تقديرات تتراوح ما بين 1.2 – 1.5 ترليون دولار انخفاضاً من تريليوني دولار. ووفقا لـ”رويترز”؛ فإن أرامكو حتى مع هذا السعر (1.5 تريليون دولار)، ستظل قيمة الشركة النفطية السعودية “أكثر بما لا يقل عن 50% من أعلى شركتين من حيث القيمة على مستوى العالم، وهما “مايكروسوفت” و”أبل” اللتان يبلغ رأس المال السوقي لهما نحو تريليون دولار.

وتسعى الرياض إلى جمع الإدراج الأولى، لحصة تتراوح من 1 إلى 2% من الشركة في البورصة السعودية، ما بين 20 مليارا و40 مليار دولار على الأقل.
وإذا تجاوزت القيمة 25 مليار دولار، فسوف يكون هذا هو أكبر طرح عام أولي على مستوى العالم، ويتجاوز الطرح العام الأولي لشركة “علي بابا” الصينية في عام 2014، والذي جمع 25 مليار دولار.
وتشير كل التوقعات ان ارامكو ستجني بحدود 25 – 26 مليار دولار من بيع 1.5% من ارامكو اي ربع المبلغ المنشود. و قرأنا في وسائل الإعلام أن الرياض تضغط على العائلات والأفراد ان يدعموا ارامكو بعد عزوف الاستثمار العالمي وتشجيع الإقبال المحلي على الأسهم صدرت فتوات من رجال دين ان الاستثمار في أرامكو حلال حسب الفايننشال تايمز 23 نوفمبر. كما ان البنوك السعودية توفر قروض بشروط سهلة ومغرية لمن يقترض من أجل شراء أسهم أرامكو. وحسب مصادر إعلامية سعودية الخميس 21 نوفمبر تم إنفاق 14 مليار ريال (3.75 مليار دولار) على الأسهم من قطاع التجزئة.

بعد استقبال فاتر من قبل المستثمرين الدوليين يتم التركيز على مستثمرين محليين واقليميين حيث قام كبار المسؤولين التنفيذيين في أرامكو في عقد لقاءات مع صندوق الثروة السيادي الكويتي لاقناعهم بالاستثمار في شراء أسهم أرامكو. وتم عقد اجتماعات مماثلة في دبي. كما زار مسؤولون من ارامكو سلطة الاستثمار في ابوظبي لإقناعهم بالاستثمار في أرامكو. وتم الغاء جولة تسويق وترويج لأسهم أرامكو في أميركا وآسيا،.
يجب القول أن الطرح الأولي يعتبر حجر الزاوية في برنامج رؤية 2030 للاصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط ولكن هناك تحديات كبيرة أمام خصخصة 5% من أرامكو. وحتى اذا قررت أرامكو السعودية طرح 5% من قيمة الشركة في البورصات العالمية ستواجه تحديات كبيرة.

التحديات والمخاطر

من أكبر التحديات التي واجهت أرامكو هو انخفاض أسعار النفط والتي ترفض الصعود لمستويات عالية رغم التوترات الجيوسياسية. لكي تكون جذابة للمستثمرين الأجانب تحتاج أرامكو لسعر فوق 70 – 80 دولار للبرميل. كما أن هناك قلق كبير في صفوف المستثمرين الدوليين حول عدم مقدرة أرامكو على الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية العالمية ناهيك عن التدخل الحكومي في شؤون أرامكو.
الطرح في البورصات العالمية لا سيما في نيويورك سيعرّض أرامكو لقضايا مكلفة تتعلق بتفعيل قانون جاستا الذي يسمح لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة بمقاضاة الدول المتهم رعاياها بالإرهاب وطلب التعويضات المالية منها وتجميد ممتلكات تلك الدول في أميركا، ثم مشروع قانون “نوبك” الذي لا يسمح للشركات المنتجة للنفط ان تلعب دورا احتكاريا وتشكل تكتلات لتقييد الإنتاج والتصدير. وهذا يهدد أوبك وأرامكو ايضا.
ثم العوامل الجيوسياسية كتعرض المنشآت الهامة لهجمات صاروخية (البقيق والخريص 14 سبتمبر أيلول 2019).

زعزعة ثقة المستثمرين

ومن العوامل الأخرى التي أدت الى زعزعة ثقة المستثمرين هي كارثة العلاقات العامة اثر جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي في أكتوبر تشرين أول 2018 في القنصلية السعودية في اسطنبول. وسبق ذلك اعتقال واحتجاز 300 ثري سعودي في فندق الريتز أواخر 2017 وأوائل 2018.
وثمة تحديات من نوع آخر تواجه أرامكو ولها تأثير على مستقبل الشركة ومنها تراجع الطلب على النفط بسبب حملات الضغوط المكثفة من قبل مجموعات حماية البيئة والمناخ وتوجه الدول الصناعية للانتقال للطاقة البديلة والنظيفة.
وتحدثت صحف المال والأعمال عن احتمالية التصادم مع أوبك. كشركة دولية تتصادم “أرامكو” مع سياسات “أوبك” بشأن تخفيض الانتاج وقد يعارض المساهمون والمستثمرون أي تدخل في السوق.

خيبة أمل البنوك

البنوك التي كانت تصبو لتحقيق أرباح كبيرة كرسوم استشارية وإجرائية خاب أملها بسبب القلق المتزايد عن مستقبل النفط في المدى البعيد بسبب الاحتجاجات حول المناخ والبيئة مما قد يؤثر سلبا على ربحية أرامكو وأسعار أسهمها.
كان من المتوقع ان تحقق عملية أكبر طرح أولي عالمي 300 مليون دولار للبنوك مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس ومورغان ستانلي وسيتي غروب ولكن الآن ستبلغ مجمل الرسوم 90 مليون دولار.
ربما الطرح المحلي المتواضع لأسهم أرامكو سيكون بالون اختبار قبل المغامرة بالطرح الكبير على مستوى دولي ويصر السعوديون على المضي في طرح الأسهم في البورصات العالمية في الوقت المناسب. قصة أرامكو ستكون الشغل الشاغل للصحافة المال والأعمال

اخترنا لكم

إغلاق