إقتصادمصارفمقابلات

هل ان مضمون البيان الوزاري يكفل النهوض بالاقتصاد المتهاوي؟

يعلق كثير من اللبنانيين حاليا آمالهم على البيان الوزاري الذي صدر عن الحكومة الجديدة التي تم تشكيلها مؤخرا بعد شهور من التظاهرات، فهل تستطيع الحكومة الجديدة تحقيق طموح الشعب اللبناني وإيجاد الحلول المناسبة للأزمات الراهنة!
ويجيب عن هذا السؤال الأستاذ محمد فحيلي الخبير في المخاطر المصرفية في حلقة من برنامج بيروت اليوم، قائلا إنه لابد في بادئ الأمر التمييز بين ما يتطلع نحوه اللبنانيين والخيارات المطروحة على أرض الواقع فعليا والتي قد تحد من الطموح والآمال في الوقت الراهن حتى يتحقق الاستقرار أولا ثم تأتي المرحلة التالية وهي مرحلة تحقيق الآمال.

وبالنسبة للبيان الوزاري، فيمكن القول بأنه لا يمكن أن يحظى بثقة الشعب اللبناني إلا إذا كان قادرا على ترجمة أوجاع الشارع والتعبير عن مطالبه وذلك بصورة أكبر من قدرة السياسيين أنفسهم على قراءته وتحليله حيث يجب أن يأتي البيان مقترنا بمجموعة من الخطوات العملية التي تتصدى للمشكلات المستشرية في مفاصل المجتمع الدولة كالفساد بكل صوره و أوجه الهدر التي لاحصر لها.
هذا إلى جانب الوضع الاقتصادي المتدهور متمثلا في أبسط صوره في العلاقة بين التجار والمواطنين من جهة والمواطنين جميعهم والقطاع المصرفي من جهة أخرى. فضلا عن التضخم وأزمة النقد.

ولفت فحيلي إلى أن البيان الوزاري يؤكد على اعتماد الحكومة الجديدة للموازنة السابقة المصدق عليها من قبل حكومة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، وأيضا خطة الإنقاذ التي صدرت في أعقاب اندلاع الاحتجاجات الشعبية في أكتوبر الماضي، ألمح البيان الوزاري إلى ضرورة مراجعتها والنظر بشأنها والتي تؤكد على الالتزام بمقررات ماكينزي والتزامات سيدر .

ويعتقد فحيلي أن التصديق على الموازنة السابقة حرفيا والتي تم إعدادها وصياغتها في ضوء الأرقام الصادرة عن وزارة المال أمر يعيد إنتاج المسار السياسي والنهج الاقتصادي السابق دون تغييرات ملموسة، مما يفرض على الحكومة الحالية ضرورة قراءة المشهد الحالي في سياق جديد وبخاصة أن لبنان قبل ثورة تشرين الماضي يختلف كليا عن لبنان الحالي.

كما أشار فحيلي إلى مطلب ثوري هام وهو إجراء انتخابات برلمانية نزيهة تقدم رموز شعبية حقيقية قادرة على التعبير عن مطالب الشعب بمنتهى الشفافية دون اعتبارات للكتل والأحزاب والخلفيات الطائفية وهنا يثار سؤال هام، إلى أي مدى تضمن القوانين الانتخابية الحالية التمثيل الصحيح للشعب داخل البرلمان، فهل ستأتي الانتخابات البرلمانية الجديدة حال انعقادها بـ 128 عضو جديد بصورة كلية! قد يبدو من الصعوبة بمكان تصور إمكانية تحقق ذلك الفرض.

وأوضح الخبير المصرفي بأن تحقيق التغيير في لبنان ينبغي أن يتم وفق مسارين: أولا التأكد من الاتجاه الصحيح وثانيا حجم التغيير. وخلال الوقت الراهن، فإن الأولوية بلا شك للتأكد من أن عملية التغيير تسير في اتجاهها الصحيح، كما أن الوزراء في التشكيل الجديد يجب عليهم إدراك الواقع الجديد والذي يفرض عليهم ضرورة إرضاء الشعب اللبناني والعمل في ضوء المطالب الثورية وليس السير على درب أسلافهم ممن كانوا يحرصون على كسب ولاء الكتل السياسية في المقام الأول.

وقد تطرق فحيلي بالحديث إلى ملف الكهرباء والقرارات الجديدة الصادرة في هذا الشأن حيث أكد على أن قرار رفع الدعم عن أسعار الكهرباء يعد بمثابة نوع من المساومة للمواطنين، كما أن البند الخاص بإعفاء الفقراء من سداد الفواتير قد ينطلي على قدر كبير من اللبس، فما هو التوصيف الحقيقي للطبقة الفقيرة! ومن هم الفقراء حقا في لبنان! فهناك تمايز واضح في تعريف الفقر بين مختلف المناطق والأقاليم اللبنانية، كما أن مفهوم الفقر بحد ذاته يتميز بطبيعة مرنة ومطاطة أي لا يستخدم لتوصيف نمط جامد بل هو أمر نسبي يتفاوت بين الأمكنة والأزمان. كما أن خط الفقر يختلف باختلاف الأسعار والقدرة الشرائية والعديد من المتغيرات الاقتصادية.

ولا شك أن تعلل الحكومة سابقا بالاقتصاد الحر وعدم امتلاك عدد كاف من المراقبين لتبرير عجزها عن عدم القدرة على ضبط الأسعار في الأسواق لا يبدو أمرا مستساغا الآن وبخاصة في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية ومكونات السلة الغذائية، الأمر الذي يفرض ضرورة تحقيق نوع من التكاتف بين وزارة الاقتصاد ووزارة الداخلية لتنظيم خطط فعالة تضمن مراقبة الاسواق وضبط الأسعار مما يساعد على تحسين المستوى المعيشي للمواطن اللبناني. كما أن مثل تلك الخطوات والإجراءات من شأنها جلب الثقة للحكومة الحالية .

وشدد فحيلي على ضرورة تخلي الحكومة عن إعطاء الامتيازات الضريبية لبعض الأفراد والمؤسسات والتي تخول لهم إمكانية التهرب الضريبي من الالتزامات المفروضة عليهم تجاه الدولة مما يصب في الأخير في صالح زيادة الإيرادات، إلى جانب العمل على استرداد الأملاك البحرية ومحاسبة كافة المنتفعين منها والتعرف بدقة على حجم الإنفاق الغير منتج مما يحقق المصداقية ويعكس وجه أفضل للدولة مقارنة بالماضي، أي بصورة أشمل يتعين على الدولة توفير العديد من السبل لرفع معدل الدخل القومي دون المساس بالأجور والمعاشات الخاصة بالمواطن العادي .

لافتا إلى أهمية الكشف عن منابع الهدر المتنوعة في الدولة، والذي يبدأ من خلال تقصي أحوال الوزارات ومؤسسات الدولة، فإذا ما تم رصد وجود عدد من المستشارين مثلا ممن يتقاضون رواتب خيالية دون أي جهد يذكر من جانبهم تجاه الدولة فلابد من التدخل فورا لوقف ذلك الهدر وهكذا وبالتالي يتم خفض الإنفاق وتوفير مصدر جديد للإيرادات للدولة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة توجيه تلك الإيرادات نحو عمليات الإنفاق الاستثماري مما يسهم في رفع الإنتاجية وزيادة الدخل.

ومن المخالفات القانونية الهامة التي لابد من مراجعتها ومحاسبة المسئولين عنها هو ملف التوظيف السياسي والحزبي، ففي الوقت الذي تم الإعلان فيه عن وقف التوظيف في القطاع العام توفيرا لهدر الأموال التي يتم إنفاقها على سلسلة الرتب والرواتب، تم فعليا توظيف نحو 5000 موظف في إطار المحسوبيات لخدمة المسيرة الانتخابية، وهنا لفت فحيلي إلى ضرورة تكفل الحكومة الجديدة بتصحيح تلك الأوضاع والقيام فورا بإلغاء تلك التوظيفات الغير قانونية.

وبالحديث عن آليات استرداد الأموال المنهوبة أو التحويلات الخارجية-على حد تعبير فحيلي- أكد خبير المخاطر المصرفية على ضرورة مطالبة السياسيين والنخب ممن تمتعوا بمقاعد السلطة لسنوات نجحوا خلالها في إجراء تحويلات مصرفية خارج لبنان تقدر بالمليارات بإعادة تلك الأموال وإيداعها المصارف الوطنية مما يسهم في تحسن الأوضاع الاقتصادية والنقدية. وبخاصة في ظل القيود المفروضة من قبل المصارف على عمليات السحب والتحويل النقدي تجنبا لهروب العملة الصعبة خارج البلاد مما يضع المصارف في مأزق.

ومن المخاوف التي أثيرت مؤخرا بعيدا عن ملف الأزمات الاقتصادية هو الإعلان عن السفينة القادمة من الشرق الأقصى والتي سوف ترسو في أحد المرافئ اللبنانية، حيث ظهرت العديد من الأصوات المطالبة بضرورة منع حدوث ذلك تجنبا لانتشار وباء الكورونا في حال وجود إصابات بين أفراد الطاقم، هذا في الوقت الذي أكدت فيه وزارة الصحة اللبنانية على تفعيل إجراءات الحجر الصحي وتوفير الاستعدادات اللازمة نافية ما تردد عن وجود إصابات على متن السفينة.

وهنا تساءل فحيلي عن طبيعة الحمولة أو الشحنة الواردة على متن تلك السفينة باعتبار أن هذا أمر هام يجب أن يؤخذ في الاعتبار، كما لابد من التأكد من الآليات والإجراءات التي سيتم اتباعها لفحص افراد الطاقم وهل يمكن أن تكون الشحنة محتضنة للفيروس بالفعل، العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة واضحة من المختصين بمنتهى الشفافية .

ويعتقد فحيلي أن التحدي الأكبر حاليا أمام الحكومة الحالية هو تحقيق العدالة الاجتماعية ومنع التمييز في الرواتب والأجور، وبخاصة في ظل حالة الغضب التي انتابت موظفي القطاع الخاص والذين تم الاستغناء عن الكثير منهم خلال الآونة الأخيرة بينما الآخرون منهم يتقاضون نصف رواتبهم حيث تساءل هؤلاء عن عدم تطبيق السياسة ذاتها مع موظفي القطاع العام والذين من بينهم فئة كبيرة غير منتجة.

ولعل السؤال الأكثر تداولا بين اللبنانيين حاليا هو أين الودائع الفردية! فكل مواطن يريد أن يعرف حقيقة هل لازال البنك يحتفظ بالقيمة الأصلية للودائع أم ثمة أمر آخر غير مفهوم وبخاصة في ظل التشديد المتبع على السحوبات والتحويلات. وهنا أكد فحيلي بأن الودائع يتم توزيعها على عدة محاور أولا الاحتياطي الإلزامي والذي تم استخدام نسبة 70% منه من قبل المصارف في تمويل القروض السكنية وتمويل المشروعات الصغيرة، وثانيا الاحتياطي الإضافي الوقائي والذي يتم استخدام نسبة منه في تلبية السحوبات، وثالثا التوظيفات لدى المصارف الغير مقيمة وهي ضرورة لتمويل التجارة الخارجية، ورابعا التوظيفات لدى مصرف لبنان والتي تشمل شهادات الإيداع وخلافه.

وقد اكد فحيلي ان مسألة القروض العقارية قد شابها العديد من الاخطاء من قبل المقترض والمطور العقاري والمصرف ذاته فمثلا بالنسبة للمقترض فلابد من إلزامه بتقديم كافة الضمانات التي تؤكد أهليته للحصول على القرض وقدرته على السداد مثل شهادة التوظيف التي تؤكد وجود معاش ثابت. وبالتالي فإن التنازل أو الاستهتار بضبط تلك العملية من قبل المصارف قد في الأخير إلى توقف تلك القروض بسبب التخبط الحادث في الممارسات المتعلقة بعملية تسليف القروض.

اخترنا لكم

إغلاق