النشرة البريديةمصارفمقالات رأي

هل التضحية برياض سلامة لإنقاذ الليرة ام الطبقة الفاسدة من المحاسبة؟

ان الاجابة بموضوعية على هذا السؤال ليست بالأمر السهل لعدد من الاعتبارات أهمها التداخل بين عالمي السياسة والمال والانصهار الذي يجمع بين صانعي القرار النقدي والسياسي في لبنان. لقد دام التناغم بين هاتين الطبقتين لأعوام طويلة استفاد منها كثيرون وجنوا أموالا وكدسوا ثروات فاحشة منذ اوائل تسعينات القرن الماضي حتى 17 أكتوبر 2019 تاريخ الانتفاضة الشعبية التي اندلعت نتيجة تردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية من جهة كما تدهور الأوضاع النقدية والممارسات المصرفية الاعتباطية من جهة أخرى.

في الوقائع:
ان الانهيار الاقتصادي احبط عزيمة اللبنانيين حيث لامس الدين العام مستوى الـ 95 مليار دولار اضافة الى العجز المتراكم في الموازنة فضلا عن ارتفاع نسبة البطالة لدى الشباب الى حدود 40% الأمر الذي ساهم في زيادة نسب الفقر حيث وصلت الى حدود 50% مما استدعى تدخل المنظمات الدولية وتحذيرها الحكومة اللبنانية من مخاطر الانفجار الاجتماعي.

لقد استفحلت السلطة في ادارة الدولة ضاربة بعرض الحائط كل المعايير والأصول المعتمدة عالميا في ادارة القطاع العام. منذ الحكومة الاولى سنة 1992 وجميع الحكومات المتعاقبة اعتمدت النهج نفسه من محاصصة وتوظيف سياسي وتسخير مقومات الدولة خدمة لمشاريعها السياسية عوضا عن بناء الدولة القوية القادرة العادلة.

ان النتيجة الحتمية لتلك الممارسات الشاذة ادت الى افراغ خزينة الدولة لملئ جيوبهم وبناء قصورهم من المشاريع المنفوخة او حتى الوهمية ولم يقتصر الامر على سياسيي تلك الحقبة بل فاض خيرهم على بعض المحظوظين من مقاولين وسماسرة ومقربين فمن عنده اموال وسلطة ازداد غناه وبالمقابل من ليس عنده اخذ منه حتى وصل بنا الامر الى اختفاء الطبقة الوسطة المحركة للاقتصاد وبات هناك طبقة غنية مقتدرة تشكل 10% من المجتمع وطبقة فقيرة تمثل السواد الاعظم من اللبنانيين حيث لامست 90% من الشعب.

استقالت حكومة الرئيس سعد الحريري تحت وطأة الحراك الشعبي الذي حمل مطالب وشعارات محقة منها فتح ملفات الفساد واستعادة الاموال المنهوبة واقفال ابواب الهدر واعتماد الشفافية والكفاءة في التوظيفات اضافة الى رفض التعامل المصرفي الانتقائي مع العملاء خاصة لناحية الحجز على اموال وودائع المودعين ورفض فكرة الاقتطاع النسبي من الحسابات المصرفية.

حاليا بعد مرور عدة أشهر على حكومة الانقاذ برئاسة الدكتور حسان دياب تدهور الوضع الاقتصادي إلى حدود مقلقة حيث صرح صندوق النقد الدولي ان النمو في لبنان سوف يكون سلبيا بنسبة 12% ومن الناحية النقدية تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية حيث سجل أعلى مستوى له تاريخيا ووصل الى 4000 ليرة للدولار الواحد. اجتماعيا الوضع ليس بأفضل حال نتيجة ازمة فقدان الدولار ومازاد في الطين بلة دخول جائحة كورونا على الخط ما جمد التحركات الشعبية معطيا للحكومة هامش من الوقت لالتقاط أنفاسها والمبادرة بمساعيها الإنقاذية.

الان، ينقسم الشارع اللبناني الى رأيين: الاول يحمل مسؤولية الانهيار العام لحدود الافلاس الى الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة التي اعتمدت نفس النهج والاسلوب في مقاربة جميع الملفات الداهمة ومن جهة اخرى يميل البعض الاخر الى تحميل المصرف المركزي ومعه جمعية المصارف مسؤولية الانهيار النقدي وفقدان الليرة قيمتها الشرائية، فاين الحقيقة من ذلك؟

الفريق الاول:
يدلو بان السلطة السياسية لم تجرؤ او باحسن الاحوال لا تريد ان تفتح ملف الفساد واستعادة الاموال المنهوبة وغيرها مما قد سبق وذكرناه والتي تمكن الدولة من استرداد ما لا يقل عن 25 مليار دولار واستعاضت عنها بطرح قانون حجز الرساميل والاقتطاع النقدي الذي سوف يطال 90% من المودعين بحسب التصريح الاخير للرئيس دياب. وما يؤكد المؤكد هو عدم التصويت من قبل بعض الكتل النيابية على قانون رفع السرية المصرفية ومحاكمة الرؤساء والوزراء وذلك لا يؤشر الا على الخوف من الملاحقة القانونية القضائية.

الفريق الآخر:
يتهم حاكم المصرف المركزي باتباع سياسات نقدية غير سديدة ولا تتناغم مع السياسات المالية للحكومة وهذا ما جاء تحديدا على لسان رئيس الحكومة الدكتور دياب الذي اعتبر ان تعاميم الحاكم المتتالية وعدم الشفافية لا يمكن ان تستمر وعليه لمح الى امكانية طلب تنحيه. ان أهم العناوين التي يحملها هذا الفريق على الحاكم رياض سلامة هي الاستمرار بتثبيت سعر الصرف منذ 1992 والكلفة التي تكبدها مصرف لبنان للدفاع عن الليرة اضافة الى الهندسات المالية المشبوهة التي استفاد منها عدد محظوظ من المصارف واخيرا ليس اخرا الاستمرار في تمويل الدولة من ودائع المواطنين دون مساءلة اما الشعرة التي كسرت ظهر البعير فهي ارتفاع سعر صرف الدولار بشكل جنوني حتى لامس حدود 4000 ليرة لبنانية.

الخلاصة:
لقد سبق وصرح فخامة الرئيس العماد عون ان لبنان بلد ليس مفلس بل مسروق ومنهوب، وبناء عليه لا يسعني الا التمني ان يحقق الرئيس حلم اللبنانيين بسوق كل من سولته نفسه عقد الصفقات واستباحة المال العام مهما علا شأنه مع التأكد من عدم التضحية ببعض الرموز السياسية او الادارية واستعمالها من قبل الطبقة السياسية ككبش محرقة بمحاولة تحييد سيف المحاسبة عن اعناقهم لينفذوا بفعلتهم ومن هذا المنطلق بالذات لم اجد اروع من هذه الأمثولة لتوصيف الحالة اللبنانية:

“كانت هناك امرأة فرنسية يجلس بجانبها رجل انجليزي بالقطار المتجه من فرنسا إلى بريطانيا. بدا التوتر ظاهرا على وجه المرأة الفرنسية فسألها الإنجليزي عن سبب قلقها فقالت انها تحمل معها دولارات فوق المصرح به وهي 10,000 دولار. عندها عرض عليها الانجليزي ان تقسمها بينهما فإذا قبضوا عليها ينجو بالنصف الآخر وعند وصوله الى لندن يعيدها لها فقبلت الفرنسية واعطته عنوانها.
ولكن عند نقطة تفتيش الشرطة كانت الفرنسية تقف أمام الانجليزي ومرت بدون اي مشاكل وهنا صاح الانجليزي يا حضرة الضابط هذه المرأة تحمل عشرة آلاف نصفها عندي والنصف الآخر معها وأنا لا أخون وطني فقد تعاونت معها لأثبت لكم حبي لبريطانيا العظمى.
وفعلا أعادوا تفتيشها مرة أخرى ووجدوا المبلغ وصادروه وشكروا الانجليزي على وطنيته. وبعد يومين فوجئت المرأة الفرنسية بالرجل الإنجليزي نفسه عند باب بيتها، فقالت له بغضب يا لوقاحتك وجرأتك مالذي تريد الآن؟ فناولها ظرف به 15,000 دولار وقال ببرودة هذه أموالك مع المكافأة فاستغربت من أمر!!!
عندها قال لا تتعجبي يا سيدتي فقد أردت إلهاءهم عن حقيبتي التي بها ثلاثة ملايين دولار لذا كنت مضطرا لهذه الحيلة لأخلص نفسي.”

ختاما:
على امل ان تستخلص السلطة العبر من هذه القصة ويكون الهدف الأساس هو حماية العملة الوطنية من الانهيار وليس الاستهداف الشخصي ويصبح امثال الانجليزي قابعون في السجون وليس في القصور والسلام.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى