دولياتمقالات رأي

نظام الاستراتيجية الجديدة: ايران والشرق الأوسط

تم ارسال هذا المقال للتحرير منذ اكثر من اسبوع لكنه استغرق وقتا" في الترجمة فاقتضى التنويه

تحرك بروز ما يعرف باسم “سياسة الهوية” بسرعة مع حركة اليمين المتطرف بينما تتم ممارسة سياسة حافة الهاوية في عالم “صنع السياسة”. من خلال حركة الانتقال او التحول المفاجئ والصعب في الشرق الأوسط ، راح النظام العربي القديم يقترب من نهايته. فالمنطقة غارقة في معضلة أمنية تتطلب استراتيجية جديدة من الحرية الاقتصادية laisser-faire”” التي من شأنها تعزيز القدرات السياسية الجديدة مع العناصر الفاعلة العالمية عينها. مؤخراً، أدّى تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن ممارساتها القديمة في صياغة السياسات إلى نزاع ثنائي القطببين حول التدخل بخصوص إيران. وعلى عكس الوضع الراكد الذي كانت المنطقة تواجهه طوال العقد الماضي، فقد كانت هناك ثورة في العلاقات الإقليمية بهدف الإطاحة بالسلطة السياسية الإيرانية وحلفائها وقد ترافقت بمزيج من التصورات تجاه المخاطر والتهديدات والفرص في النتائج. أما الحجة الأساسية الأولى فهي قيام أميركا بسحب قواتها من سوريا وأفغانستان لكن أميركا لم تكن تتراجع. كما ذكرت في مقالتي السابقة، فقد تفرّدت كل استراتيجية تقوم أميركا بتصميم خاص بها، باعتماد الفن ذات الصلة. مستقبل توازن القوى في المنطقة عالق في المحنة الأساسية المتمثلة في تقليص الثغرة بين الردع النووي والمنافسة السياسية والأيديولوجية. بدأ الانقسام حول إيران عندما تم توقيع خطة العمل المشتركة الشاملة ( JCPOA) المعروفة باسم “صفقة أوباما” في العام 2015 من قبل ممثلي الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة (P5 +1 ) والتي نتج عنها إطار سياسة خارجية مرتبك، وخططت تلك الصفقة لإنهاء أمر الاحتواء في حين تكمن مهمة الإدارة الحالية في استعادة الالتزامات القديمة. أدّت قيادة “بومبيو” للحد من نفوذ إيران في سوريا واليمن والعراق ولبنان، الى نهضة معركة القيم العالمية. لا تكمن القيم في إضفاء الطابع المؤسساتي على معايير التحول الى الغرب او الى الديمقراطية فحسب، بل إن القيم العالمية تنشأ لوضع خطة سلامة أكثر تحضراً بالنسبة الى المجتمع الدولي، ومنع التسابق الى التسلح النووي في المنطقة. فإيران هي أكثر القضايا/ الحالات كارثية والتدخل في شؤونها لمنع انتشار أسلحتها وإمداداتها المالية خارج حدودها إلى جانب المناورة العسكرية الأميركية المفاجئة، أمورٌ ضرورية لتقوية اتفاق هيئة الاستخبارات الأميركية-الروسية الذي سيضغط على إيران ومليشياتها في سوريا. وتحرك الاستخبارات الولايات المتحدة الوقائية يمارس قيوداً معرفية على نافذة من الفرص كانت على وشك الانفتاح على “استراتيجية طهران الخيالية”. ورغم تدخل إيران وروسيا وحزب الله إلى جانب نظام الأسد، فمن شأن قمة ترامب- بوتين، في العام 2018، التي تمت خلف الأبواب المغلقة، مضاعفة قمع التغيير في التوازن. على الرغم من الحجة المفتوحة التي تفيد أن السياسة الخارجية الأميركية الجديدة قد تمكّن روسيا من المنطقة من دون التقليل من نفوذ إيران فيها، فقد أناقش أنه عبر تاريخ الجغرافيا السياسية والحروب قد شهدنا على فشل معارك الأنظمة في البقاء على القمة. في أيامنا هذه، جعلت عقيدة ترامب كل نظام عربي يبقي ويستمر بفضل طابع او ميزة “إنعدام الأمن” الأمر الذي قد يؤمن إدارة المنافسة في سوريا ضد الميليشيات والجماعات التي تعمل بالوكالة، بحيث يكون بقاؤها مجرد وظيفة مشلولة مؤقتاً لإحباط إيران وجعلها في وضع الانفاقات الدفاعية الثابتة ويشكل تدخل روسيا في سوريا الخيار البديل لرفض واشنطن التدخل المباشر في الحروب الأهلية الأجنبية. بينما ينظر العرب إلى قدرة الأسد على التحمل كجائزة من بوتين الاّ أنني وبصفتي باحثة ومحللة سياسية أرى وعلى العكس أن الولايات المتحدة تتجنب سوريا حتى لا تصبح “العراق” الثاني. إن وجود روسيا (المتفقة مع أميركا) وصراع نظام الأسد الضعيف مهمان للسيطرة على سقوط سوريا الحر والمطلق وتتبع توالي التغييرات الصغيرة في العراق وأفغانستان بينما يبقي لبنان راكداً. سوريا الضعيفة والمعارك غير المنظّمة في منطقتها يهددان سلوك إيران العدواني أكثر من وجود مناطق مفتوحة غير مركزية وفوضوية. إن الدرس النهائي بنتيجة ما حصل في العراق يتمثل في تسلل إيران عبر مؤسساتها وفرض نفوذها بسبب “الفوضى” وعدم وجود حكومة مركزية في العراق، في حين أن “المعارك المنظمة” في سوريا قد بنت وأرست قوة إيران التي تلوح في الأفق حيث ربحت القليل من المعارك لكنها لم تؤمن لإيران أي حرب مربحة. دفعت ثقافة الحرب غير المتناظرة في العراق وسوريا بالإدارة الأميركية إلى تغيير سياستها تجاه طهران وزيادة خطر إيران لاجراء تغيير ما في استراتيجيتها الخاصة بالتجنيد والقتال والتمويل. ويتمثل تحرك إيران نحو الشرق من خلال “معركة الدفاع” في سوريا وباتجاه الأمام مع تعبئة حرب مباشرة وتجنيد المسلحين من المتمردين من العراق بصورة قوية وتمويل معركة النفوذ في لبنان. مع نجاح إدارة ترامب في استبدال حقل الخرائط العسكرية بمعلومات استخباراتية وسياسية نرى منعطفاً مشؤوماً يتجه في طريقه نحو ضرب إيران. تواجه الدولة الإسلامية حالياً بروز “القومية”. ثورة وطنية داخل حدودها تطالب بإصلاح اقتصادي بعد الهبوط الحاد الذي شهده الريال الإيراني. على الصعيد الداخلي، نرى دفاع طهران العسكري عالقاً في سيف ذو حدين ويواجه عاملين: حماية مناورتها العليا من شعبها حيث خططنا حتى تقوم الحكومة بارتكاب الفظائع ونشر القوات العسكرية على الحدود الشرقية والغربية: “معضلة الانقسام”. أولاً، سوف تكافح إيران للعثور على حصانة من أهل السنة المتطرفين لعبور حدودها. لقد ساعد وجود القوات الأميركية بشكل غير مباشر في الحفاظ على أمن الحدود الغربية لإيران، حيث دفعت سياسة الردع التي تعتمدها في أفغانستان الى سحب الجيش الإيراني كما الى تحويل اهتمام طهران باتجاه الشرق. على المجلس الأعلى أن يجد مخرجاً ذكياً لتتراجع ميليشياته باتجاه الغرب، فتأمين وضع إيران من الداخل سيترك فراغاً في سوريا وفي وجه العدو. ثانياً، سيكون من الأصعب على إيران بعد العقوبات الجديدة إيجاد وسائل مالية لتجنيد المتمردين في العراق وتمويل حليفهم بالوكالة في سوريا لأن غياب القوات الأميركية في سوريا سيخلق معارك دائمة غير منظمة وسيفتح باب المنافسة مرة أخرى لاسترجاع المناطق العسكرية. تواجه إيران آخر مراحل صعودها في السلطة من دون أن تكون قادرة على الاعتماد على روسيا أو على سوريا. أمست سوريا ضعيفة وغير قادرة على السيطرة على أراضيها وذلك يطال تقريباً كل التوقعات والمرتكزات التي تحلل قوة روسيا الوحيدة في الشرق الأوسط لدعم توسع إيران في المنطقة. سوف أتوقف لحظة لأصرح بما يلي: “إيران أقرب إلى أسلاف روسيا أكثر مما هي عليه مع الروسيين الجدد، أي الحاليين”. إن حكومة إيران أقرب إلى النهج الثوري أكثر منه الى القومي كما كانت الحال عليه في العام 1979، حيث كان حراس ثورة الخميني يعتمدون على الشيوعية للإطاحة بسلطة آل بهلوي والحكم بإيديولوجية إسلامية. هناك غياب لدليل تصحيحي بأن الثورة كانت تدور حول الشعب بدلاً من دورانها حول أيديولوجية ما وأن شخصية الحكومة الروسية الحالية وطبيعتها أبعد ما تكونان عن لينين. بوتين أقرب إلى إبرام صفقة مع ترامب أكثر مما هو عليه لدعم طموح إيران في أن تكون لاعباً عالمياً معترفاً به من دون التقيّد بالمعايير الدولية. في عام 2001 بعد هجوم 11 أيلول، أجرى بوتين مكالمة هاتفية مباشرة مع البيت الأبيض حيث عرض على جورج بوش الدعم الكامل في القضية المشتركة لمكافحة الإرهاب. أما قيام بوتين بدعم نظام الأسد في سوريا، فقد أدّى الى تحويل الوضع لصالح واشنطن من خلال الحفاظ على حكومة مركزية ضعيفة أمام ساحة معركة كبيرة مع مجموعات أصغر لكي تتفكك ببطء إلا أن قواعد تفكيك المعارك قد تغيرت. لم تعد القصة المعيارية مهمة لإسقاط بشار الأسد طالما أن صورته أمست هشةً علناً لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أما أي شكل من أشكال التحالف مع حكومة الأسد فسيشهد المقاطعة لأسباب إنسانية. تتمثل السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط الآن بخليط من التهديدات المالية والتراجع الجغرافي والسياسي. الاضطراب الجديد هو جزء من النظام الجديد. من خلال الضغوط المالية على ممولي لحلفاء إيران، نرى كيف تفضل الولايات المتحدة اتباع نهج جديد لإسقاط الديناميكيات بحيث تتحرك من أعلى الهرم إلى أسفله، فيحل ذلك محل الاستراتيجية القديمة التي كانت تنطلق من القاعدة إلى القمة. لقد انتهى عصر الثورة الاجتماعية لإسقاط الأنظمة. أما أي احتمال قريب في تسوية معالجة الأضرار والمضي قدماً مع رفع راية السلام في المنطقة، فلا يزال بعيد المنال حيث أرى أن الحرب في سوريا تسعى وراء المزيد من إعادة التوازن. إيران محاطة الآن بتأثير “حجارة الدومينو” في العالم العربي وسرعان ما ستُترك بمفردها لمواجهة الحكومة السعودية الجديدة في تحديد مصيرها الخاص. وسواء كانت إيران الهند-باكستان الجديدة أم لا فإنني أرى مواجهة إيرانية حتمية. عندما أقرأ مرة أخرى عن الشؤون الخارجية الإيرانية في تغريدات جواد ظريف والمقالات التي تم نشرها والتي تشير إلى حقوق إيران في الاعتراف بها كدولة إسلامية ذات سيادة لقيادة شؤونها الخاصة، لا يسعني إلا أن أفكر بما قاله جورج كينان ذات مرة: “ليس لديك أدنى فكرة عن مقدار المساهمة في أدب وسرور الدبلوماسية العامين، عندما تكون لديك قوة هادئة داعمة وراءك”.

لقراءة مقالات أخرى للكاتبة اضغط هنا

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى