إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمقالات رأي

نار الحرائق تكوي الطبقة السياسية … هل من صفقة طائرات جديدة؟

ان فظاعة وهول الحرائق المتنقلة التي يشهدها لبنان منذ البارحة تدعونا جميعا الى مناجاة رب العالمين كي يرأف بشعبه فيوقف تمدد الحرائق ويحمي البشر والحجر والنبات ويرسل الأمطار علا ذلك ان ينجينا من اكبر حريق تشهده البلاد منذ عدة عقود.

انا لست من دعاة إدخال الدين في كتاباتي الاقتصادية الاجتماعية التي تعتمد على علم الارقام والنظريات انما نار الحرائق وصرخات الاستغاثة التي لامست المنازل واحكمت قبضتها على أعناق رجال الدفاع المدني والاطفاء أسقطت ورقة التين عن عيوب السياسيين والفعاليات وأصحاب القرار حيث ظهر فشلهم المدوي في إدارة شؤون البلاد والعباد.

قد يظهر بعض المتبجحين والمستزلمين والمستفيدين واخواتهم ليقولوا “ما بالكم يا سادة فإن الحرائق تحصل في اكبر البلدان وأكثرها تطورا وحداثة وجهوزية واكبر مثال ما حصل في غابات الأمازون في البرازيل والتي تعد الرئة الحيوية للعالم أثره، لماذا اذا توجهون الملامة إلى الدولة على كارثة الحرائق التي لا ناقة لها فيها ولا جمل”!

إنه لأمر طبيعي ان تحدث كوارث طبيعية من فيضانات واعاصير وانفجارات بركانية وتسونامي وهزات أرضية والى ما شابه ترزح تحت وطأتها دول وحكومات ومنظمات دولية حيث تبادر بكل ما عندها من إمكانيات إلى الحد من تداعيات تلك الكوارث على مواطنيها وبالتالي على اقتصادها الوطني. من هذا المنطلق تخصص جزء من ماليتها العامة لشراء أحدث المعدات كما تصرف على تجهيز العاملين في الإدارات المتخصصة بمواكبة اعمال الاغاثة اموالا طائلة كل ذلك من أجل مساعدة مواطنيهم لتخطي تلك الكوارث باقل الاثمان والملفت ايضا انه في حال تقاعس أحد المسؤولين عن القيام بواجبه لتلك الناحية فيبادر الى تقديم استقالته من منصبه احتراما منه لشعبه وتماشيا مع الأصول الديمقراطية المتبعة في الخارج.

اما عندنا نحن، وبظل غياب المحاسبة والمساءلة فإنه مطلوب من المواطن الاعتذار من المسؤول عن الكوارث الطبيعية التي ما تلبث ان تحصل إلى ان يسارع السياسيين الى اتهام جهات غير معروفة بافتعال تلك الأحداث لاهداف سياسية او رسائل معينة قد تصل الى جهات اقليمية. مهلا يا سادة، كفى استخفافا بعقول اللبنانيين، ان فشل الطبقة الحاكمة أقله منذ انتهاء الحرب في مطلع تسعينات القرن الماضي على كافة الاصعدة من اقتصادية ومالية واجتماعية وانمائية وبيئية حتى وسياسية تشير جميعها إلى إعادة النظر بكيفية ادارة الدولة من منطلق التنمية المستدامة وإرساء مبدأ المحاسبة التي لا تستثني احدا من رأس الهرم الى اسفله.

لقد اتحفنا المسؤولون سنة 2009 بشراء ثلاث طائرات من طراز “سيكورسكي” المتطورة والمعتمدة عالميا في إخماد الحرائق حيث كلفت اللبنانيين مبلغ 13 مليون دولار اضافة الى التبرعات من القطاع الخاص التي وصلت الى 200 الف دولار بطلب من وزير الداخلية انذاك الاستاذ زياد بارود الذي أنشأ صندوقا لتلك الغاية. وتقديرا لجهودهم الجبارة ومن باب الدعاية ليس إلا، قام بعض الوزراء كما ورئيس الحكومة بالتحليق فوق الساحل اللبناني على متن الطوافة وقد روجوا لها إعلاميا على أنها الانجاز الاهم لمجلس الوزراء وقد تم لاحقا تسليم مفتاح تشغيله الى الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا.

ان اسطورة الطوافات ” سيكورسكي” تعود الى سنة 2007 حين التهمت ألسن النيران 4030 هكتارا من الغابات والأراضي الزراعية متخطية بذلك المعدل العام السنوي المقدر بـ 1200 هكتار. بحسب تقديرات البنك الدولي ان كل هكتار من شجر الزيتون ينتج حوالي 13.5ألف دولار مما يعني أنه بعملية حسابية بسيطة ان حريق اكتوبر 2007 كلف الاقتصاد خسائر وصلت إلى 32 مليون دولار أمريكي. وفي السنة التي تلت لفت الحرائق لبنان من الشوف الى المتن ومن زغرتا الى تبنين نتج عنها إتلاف حوالي 2000 هكتار من الاشجار المثمرة واشجار الزيتون المعمرة كما وأشجار الصنوبر وغيرها مخلفة وراءها خسائر قدرت بـ 10 مليون دولار.

قررت الحكومة انذاك انه لا بد من اتخاذ قرار على هذا الصعيد للحد من الخسائر المادية كما من النظام الإيكولوجي الذي وصل إلى ادنى مستوى عالمي مما يهدد البيئة عامة وبالتالي صحة المواطن خصوصا. ان الضرر البيئي ليس بالسهل استرداده لأنه يتطلب سنين عديدة لاعادة ما خسرته الطبيعة. على سبيل المعلومات فإن الثروة الحرجية التي كانت 35% من مساحة لبنان سنة 1965 وصلت الى 7%.

من هذا المنطلق وضعت الحكومة إستراتيجية وطنية جديدة لمكافحة وإدارة الحرائق في لبنان واهم ما جاء فيها أنها خصت وزارة الداخلية والبيئة والزراعة والزمتها بالتنسيق فيما بينها بالتعاون مع مديرية الدفاع المدني اضافة الى عدد من المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية. تضمنت الخطة ثلاثة عناوين هي: الوقاية ثم محاربة الحريق وبعدها ترميم وإعادة تأهيل الأراضي التي تضررت. للاسف ان كل ما قيل عن خطط واستراتيجيات وطوافات ومجالس كان حبرا على ورق وأبراج من كرتون تهاوت فكما يقول المثل اللبناني ” غدا يذوب الثلج ويبان المرج” فعلا لقد تبين ان الطوافات غير فعالة و تنقصها التجهيزات بحسب تصريح المسؤولين فتبخرت بذلك آمال اللبنانيين وطارت الملايين عوضا عن الطوافات اما بالنسبة الى التنسيق فحدث ولا حرج.

في الخلاصة، ان مئات لا بل آلاف الحرائق تهدد لبنان وثروته البيئية واخرها “ان شاء الله” حريق الدامور في الأمس وما تبعه من حرائق أخرى تتطلب من الحكومة والوزراء المعنيين ولو لمرة ان يتخذوا قرارات حازمة حاسمة جريئة وشفافة بالتعاطي مع كافة الملفات المطروحة وهي كثيرة وأن يثبتوا للرأي العام والمجتمع الدولي أنهم أهل للسلطة فيبادرون إلى تثبيت 4000 متطوع في الدفاع المدني وإلغاء التوظيف السياسي المخالف للدستور منذ 2017 لينتقلوا بعدها إلى محاربة التهرب الضريبي والفساد وإعادة الاموال المنهوبة وغيرها من ملفات قد لا تعد ولا تحصى وعلى امل ان لا نصحوا غدا على صفقة طوافات جديدة والسلام.

اخترنا لكم

إغلاق