إقتصادمقالات رأيمونيتور الفساد

موازنة متصالحة مع الفساد: جدول أعمال للملك

”لا يستطيع الانسان ان يخدم الله ويحتقر قريبه، هذان الفعلان متضادان لا يلتقيان”. (غاندي)

كان المصرفي السويسري العريق جاك نيكر احد روّاد صناعة التمويل في أوروبا وأوصلته مواهبه لمنصب وزير المال (١٧٧٧ م) في ظل الملكية الفرنسية. وفي كتاب “جدول أعمال للملك” اقترح ان يدفع النبلاء الضرائب للخروج من الأزمة المالية الخانقة التي عاشتها ملكيات البذخ في أوروبا في ذلك الزمان. كوفئ جاك نيكر بأقالته لأن النبلاء يرفضون دفع الضرائب، مع ان الرجل كان يعرف ان الطبقة الثالثة (البرجوازية) تنتظر على الباب للإطاحة بالملكية. طرد نيكر وسقطت الملكية لأنها رفضت ان تضحي بأمتيازاتها لكي تستمر فخسرت كل شئ دفعة واحدة.

(بالمناسبة نيكر هو اوّل وزير مال اتاح للشعب الاطّلاع على أرقام الموازنة)

في خضم النقاش حول الموازنة، لا يسعنا إلاّ ان نتذكر الملوك والنبلاء الذين كان نيكر حريصاً عليهم اكثر من حرصهم على أنفسهم.

نحن ندور اليوم في مماحكات حسابية حول نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين العام إلى الناتج عينه ونريد للمنتجين اكانوا موظفين او شركات او مودعين او مغتربين ان يدفعوا ثمن توازن الموازنة وفوقهم المجتمع الدولي من خلال تعهدات سيدر.

كل السيناريوهات تحوم حول قص الأجور، أو قص التعويضات او قص المنح للموظفين او تحميل المودعين لضرائب الفوائد او رفع الشطور الضريبية وقس على ذلك.

“مرتا مرتا تهتمين لأمور كثيرة والمطلوب واحد”.

لست هنا لأكرر المكرر بالقول ان هناك من نهب البلد وعاث بالمال العام فساداً فهذه أقوال باتت على كل شفة ولسان حتى من هم في الحكومة نفسها. يقدر حجم التهرب الضريبي بخمس مليارات دولار سنويا، ويقدر الأثر الإجمالي للفساد في الاقتصاد بضعف هذا المبلغ. فلماذا تصرّون على مد يدكم إلى أرزاق الناس؟ لماذا الاصرار على توازن الموازنة من جيوب قوى الإنتاج؟

حين تكلم المانحون لم يعيّروا أحداً غيركم، اتهمتم بأبشع الأوصاف من ممثلي المجتمع الدولي على طريقة فالج لا تعالج.

نيكر كان يريد الخير للنبلاء لكن النبلاء أنفسهم لم يكونوا يريدون الخير لأنفسهم. وحين سقطت افكار نيكر… سقطت الملكية.

الفارق ان أوروبا كان فيها طبقة البرجوازيين الثورية في ذلك الوقت التي أعادت تشكيل دور أوروبا في التاريخ . نحن ليس بيننا ثوار، لكن بديل الثوار عندنا هي المخدرات والجريمة المنظمة والفوضى. استعدّوا جيداً.

بى بى الذي لا تعرفونه

خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو (pepe) رئيس الاوروغواي الذي أدار البلاد التي نهشها الفساد بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٥. كوردانو ودون ضغط من إحد تبرع بتسعين بالمئة من أجره كرئيس وأجر زوجته وهي نائبة في البلاد. سكن في منزلها في الضاحية الفقيرة للعاصمة وفتح قصر “كاسا سواريث” لنوم المشردين الذين لا سقف يأويهم. كوردانو كسب احترام العالم والمؤسسات الدولية والدول المانحة والأهم انه تحول إلى قدوة لشعبه.

طبعاً ليس مقصوداً بهذه الحكاية سياسيٌ بعينه (ولا بالأخص فخامة الرئيس) ولكن هناك عبرةٌ قوية خلف تجربة كوردانو وهو الذي لقّب بأفقر رئيس في العالم. اذا أردتم الإصلاح فلا يجوز أن تبدأوا بغيركم ولن ينجح اي إصلاح يبدأ بغيركم وانتم تتصرفون كنبلاء فرنسا في ذلك الزمان. اذا لم تكونوا انتم المثال الصالح في إصلاح المالية العامة، حيث يبدأ الإصلاح بتفكيك شبكة مصالحكم في القطاعين العام والخاص وضمناً قطاع المال فلن يضحي احد لأجلكم. ولكلَّ طريقته في افشالكم. سوف تحولون العسكر والموظفين إلى جيوش بلا معنويات ينظرون لكم بحقد طبقي لم يتعود عليه لبنان، سوف تهجركم الودائع وسوف يبحث أصحاب الأعمال عن ملاذات اقل كلفة من هذا الاقتصاد الذي تصرّون على اعاقته.

من جاك نيكر إلى كوردانو الدرس واحد.

الوسوم
إغلاق