دولياتمقالات رأي

من البيسكوي الى سنتات الوقود: فرنسا تقود التغيير نحو عدالة اجتماعية

لطالما كانت فرنسا محرك التغيير في العالم. فالثورة الفرنسية التي انطلقت شرارتها عام ١٧٨٩ تعتبر واحدة من اهم الاحداث في تاريخ البشرية، وقد انتهت بسيطرة البورجوازية التي كانت متحالفة مع طبقة العمال لإحقاق مجموعة من الحقوق والحريات للطبقة العاملة والمتوسطة للشعب الفرنسي. أسقطت الثورة الملكية وأسست الجمهورية وشهدت فترات عنيفة من الاضطراب السياسي، وتوجت أخيرا في دكتاتورية نابليون الذي ساهم في نشر الكثير من مبادئها في أوروبا الغربية وخارجها. 
استوحت الثورة الفرنسية أفكارا ليبرالية وراديكالية،غيرت بشكل عميق مسار التاريخ الحديث، وأطلقت رصاصة الرحمة على حكم الملكيات المطلقة لترسي مكانها الحكم الجمهوري القائم على حكم الشعب بالشعب . 
شكلت حركة السترات الصفراء بداية تحول ملحوظ في الفكر السياسي العالمي، سيعيد ، دون شك، طرح المسألة الاجتماعية والصراع الطبقي من جديد على طاولة زعماء العالم الذين ظنوا ان هذين الموضوعين قد تخطاهما الزمن، وانتهيا مع سقوط المنظومة الاشتراكية في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، والانتصار المدوّي لسياسة الأسواق الحرة والنيوليبرالية الاقتصادية، الى الحد الذي دفع ببعض المفكرين السياسيين الى القول بنهاية التاريخ والانتصار المؤزّر لليبرالية. 

النيوليبرالية والقضاء على مكتسبات العمال 

النيوليبرالية هي نظرية في ممارسات الاقتصاد السياسي، ساهم في ارساء أساساتها كل من دنغ شياو بنغ ومارغريت تاتشر ورونالد ريغان، تفترض ان أفضل وسيلة لتعزيز سعادة الإنسان ورخائه تكمن في إطلاق حريات الفرد ومهاراته في القيام بمشاريعه وأعماله، ضمن إطار مؤسساتي يتصف بحقوق قوية للملكية الخاصة والأسواق الحرة والتجارة الحرة.أما الدولة فيقتصر دورها على خلق الإطار المؤسساتي والحفاظ عليه بما يخدم تلك الممارسات، والانسحاب من مجالات العمل والتقديمات الاجتماعية، وإطلاق يد الأفراد في إدارة الموارد التي كانت حكرا عليها من خلال الخصخصة، فبدأت المنافع والتقديمات الاجتماعية التي كانت تقدمها الدولة لمواطنيها بالتضاؤل . وباتت شبكة الأمان الاجتماعي التي كانت توفرها الدولة لرعاياها بالتمزق والاهتراء . ووجد سكان الأرياف أنفسهم مجبرين على البحث عن عمل في أماكن بعيدة عن حقولهم وقراهم . فتدفق المهاجرون والريفيون ، وبشكل غير قانوني ودون حق الإقامة، الى الحواضر المدينية ، وشكلوا احتياطي عمالة ضخم، يعرض خدماته في أسواق تبحث عن عمالة رخيصة خارج حدودها حتى أو عن استبدال العمالة البشرية بما يمكن للآلات ان تقوم به. 
غيّرت النيوليبرالية اوضاع العمالة في النظام الاجتماعي، معتبرة انها سلعة مثلها مثل أي سلعة أخرى. وبعد ان تجردت قوة العمل من الغطاء الواقي لها ضمن مؤسسات ديمقراطية نشطة، وتخلت الدولة عن حمايتها، توجهت نحو أشكال مؤسسية أخرى تستطيع من خلالها بناء نظام تضامن وتكافل اجتماعي، فانضوى العمال العاطلين عن العمل أو الذين يعملون بشروط عمل تفتقر الى ابسط حقوق العدالة الاجتماعية، ضمن عصابات وكارتيلات اجرامية وشبكات اتجار بالمخدرات أو ضمن جمعيات دينية تحض على كراهية الآخر. وقد ملأت هذه الأشكال الاجتماعية البديلة الفراغ الحاصل، بعد تفكك سلطات الدولة والأحزاب السياسية والنقابات العمالية الفاعلة. 

العدالة الاجتماعية 

بين بيسكوي الملكة ماري-أنطوانيت وضريبة البضع سنتات على الوقود التي أعلن عنها الرئيس إيمانويل ماكرون، تعاظم غضب الفرنسيين الذين يأبون الخضوع للظلم ويستفزهم عدم العدالة الاجتماعية. وأدت سياسات النيوليبرالية التي انتهجتها فرنسا الى تفكك نظام الرعاية الاجتماعية والمكتسبات والخدمات التي ناضل من اجلها الفرنسيون قرونا من الزمن. وسببت الاختلالات العميقة في الاقتصاد الفرنسي في زعزعة البنية الاجتماعية الفرنسية ، من جراء انتهاج الحكومات المتعاقبة منهج منتدى دافوس القائم على وجوب اتخاذ إجراءات اقتصادية مؤلمة، تمس بشكل مباشر عامة الشعب، وتزيد ثراء النخب الاقتصادية بما يخدم اقتصاد السوق والعولمة وحرية التجارة وزيادة الثروات وتراكمها ، مسخرا لذلك وسائل الإعلام والمنظمات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. 
يهدف حراك السترات الصفراء الى المطالبة بمزيد من العدالة الاجتماعية وإلى حث السلطة على الاصغاء الى مطالب الشعب وتطلعاته، باعتباره مصدر السلطات التي ينتخبها للحفاظ على مصالحه وأمنه واقتصاده ورفاهه، وليس لتأمين مصالح الشركات وأصحاب الأموال وتعاظم ثرواتهم التي يجنونها من أي مكان في العالم ويسخرون السلطات المحلية للحفاظ على مكتسباتهم على حساب حقوق المواطنين الذين وجدوا أنفسهم يعانون من فوارق طبقية آخذة في الازدياد وتوزيع غير عادل للثروات وفقدان غير مقبول لمكتسبات حصلوا عليها بشق النفس وبنضال مستمر، فطالبوا باصلاح اقتصادي واجتماعي جذري يعيد الأمور الى نصابها الصحيح. فالسلطة يجب ان تكون ممثلة وراعية للمصلحة العامة، وليست اداة في يد قلة ثرية لا تتوانى عن تضخيم ثرواتها على حساب المواطنين من خلال دفع الحكام النيوليبراليين الى مساعدة شركاتها على اقتحام أسواق خارجية جديدة وتأمين تصريف منتجاتها وتحقيق الأرباح الطائلة لها، في الوقت الذي قامت به هذه الشركات بعمليات إصلاح وإعادة هيكلة متخلية عن إعداد كبيرة من العمال في بلدانها ونقل وسائل الإنتاج التي تتطلب أيد عاملة الى بلدان العالم الثالث حيث العمالة الوفيرة والرخيصة، فتقلص حجم استفادة الدولة من نشاطها الاقتصادي ومساهمتها في تمويل صناديق الرعاية الصحية والاجتماعية، فضلا عن تسببها بمزيد من بطالة اليد العاملة غير الكفوءة. 
تعرض حراك السترات الصفراء الى حملة إعلامية شرسة بهدف شيطنتها ووصمها بالغوغائية والفوضوية، وصولا الى التلميح بكون المتظاهرين هم بغالبيتهم من المهاجرين الذين لا يكترثون لمصالح فرنسا، وهذا ما كان متوقعا باعتبار ان من يملك الإعلام في فرنسا والعالم هم حراس هياكل النيوليبرالية . غير ان تحريك المياه الراكدة في فرنسا لا بد وان يتسع ليعم العالم كله، وما حدث يرسم ملامح مسار جديد سيعيد الاعتبار الى المسائل الاجتماعية والصراع الطبقي الذي ظن بعض الساسة والاقتصاديين انه دفن واندثر مع سقوط جدار برلين وهيمنة اقتصاد السوق وصعود النيوليبرالية الكبير. ومن يعش يرَ. 

اخترنا لكم

إغلاق