إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

من الاستقلال الكبير 1920 إلى الانهيار الكبير 2020 …هل لبنان يستحق الحياة؟

بعد انتفاضة الشعب اللبناني على الطبقة السياسية الحاكمة في 17 أكتوبر 2019 وتجددها في موجة ثانية منذ اسبوع دون كلل نتيجة عوامل عدة أهمها الطلاق ما بين السياسيين و أولوياتهم الشخصية والحزبية من جهة والمطالب الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي يرزح تحتها المواطن من جهة اخرى، لا بد ان يطرح اليوم السؤال التالي؛ بعد مئة سنة على إعلان دولة لبنان الكبير هل هذا فعلًا ما كان يُنتظر من لبنان السيد الحر المستقل: جمهوريّةٌ معطّلة باستمرار؟ اما السؤال الكياني والمؤسساتي الأكثر جذرية: هل نجح اللبنانيون عامة والطبقة السياسية الحاكمة تحديدا بتحويل لبنان الكبير الى جمهورية فعلية

ان جوهر هذا المقال ليس الدخول في زواريب السياسة الضيقة انما مقاربة الموضوع من جانبه الاقتصادي ولكن بحسب المقولة “إن الاقتصاد والسياسة توأمان لا ينفصلان”، لذا ان الاقتصاد هو مرآة تعكس السياسة، فكل تطور اقتصادي يشهده أي بلد لا بد من أن يؤثر في وضعه السياسي، فكل منهما يخدم الآخر سلباً وإيجاباً.

في الأنظمة الرأسمالية، الاقتصاد يدير السياسة، حيث العلاقة متشابكة ومثيرة للاهتمام، فعندما تعصف مشاكل سياسية في بلد ما يظهر التأثير الأول والأكبر وبشكل واضح في الأداء الاقتصادي لهذا البلد. ان المفاهيم في الاقتصاد السياسي تثبت هذه النظرية ومثالا على ذلك إن العجز السياسي في اليونان كان سبباً في تفاقم المشاكل الاقتصادية ووصولها الى حدود الإفلاس المالي، كذلك الأمر في إيطاليا حيث استطاع رئيس الوزراء في عام 2012 إبعاد شبح الاضطرابات المالية ببراعته السياسية وغيرها من امثلة لسنا في صدد تعدادها في هذا المقال.

اما بالعودة الى لبنان وبمجرد استعراض القرائن التاريخية يظهر جليا فشل الحكومات المتعاقبة والعهود المتتالية في ارساء مفهوم الجمهورية التي تستمد قوتها من جمهورها حيث يصبح الشعب مصدر السلطات وليس العكس كما هي الحال الحاضر والحقيقة ان الجمهورية اللبنانية في طور التداعي على صعيد الممارسة السياسيّة بتخطٍّ دائم لها لجهة عدم احترام أصل الجمهوريّة والأساس الدستوريّ الذي تقوم عليه ان من ناحية اشراك الجمهور في الحياة السياسية ام لناحية التطور الاقتصادي ام العدالة الاجتماعية.

الاقتصاد رهينة الإقطاع العائلي والحزبي

ان جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية تشير الى التدهور الدراماتيكي التي يشهده لبنان على صعيد الاقتصاد الكلي وما لذلك من تداعيات خطيرة على المالية العامة للدولة اللبنانية والتي بدورها ترخي بظلالها على السياسة النقدية بحيث تصل تبعاتها و ارتداداتها السلبية على الأوضاع الاجتماعية والأمنية وما نشهده من تظاهرات وقطع للطرقات وتصادم دامي مع القوى الأمنية في العاصمة بيروت اضافة الى التوتر اليومي ما بين المودعين وموظفي القطاع المصرفي وغيرها ليست الا نموذج واضح على الانهيارات المؤسساتية للدولة اللبنانية.

إنّ نجاح المجتمعات الغربيّة وتفوّقها في تأسيس صرح عتيد لنهضة اقتصادية علمية اجتماعية، كان بمثابة رد فعل حاسم لما عانته من حروب ومآس مختلفة ومتنوعة فبعد الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية عقد الثمانينيّات من القرن الفائت، اقتصر مفهوم التنمية على الكميّة التي يحصل عليها الفرد من سلع وخدمات ماليّة، حيث كان الاهتمام مُنصبّاً على النظرة الاقتصاديّة من خلال التركيز على النموّ الاقتصادي، كمِعيار حقيقي للتقدُّم والتنمية.

أما المعيار اللبناني فجاء معاكسا تماما للتجارب الدولية فبعد انتهاء الحروب المتتالية منذ تسعينيات القرن الماضي وعوضا عن إنتاج طبقة سياسية جديدة تواكب التطور من خلال وضع سياسة اقتصادية رشيدة تحفز الانتاجية في القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية والخدماتية وتكون الرافعة لتحسين الوضع المعيشي والارتقاء إلى تثبيت مبدأ العدالة الاجتماعية، ذهب أمراء الحرب و اقطاعيو السياسة بعيدا في إحكام قبضتهم على موارد الدولة وتجييرها لمصالحهم الضيقة الخاصة كما وتكريس مبدأ ” المواطن في خدمة الزعيم”.

في مقاربة سريعة ما بين لبنان قبل وبعد الحرب يظهر جليا كيف ان لقب “سويسرا الشرق” بما يرمز من فورة سياحية عربية واجنبية اجتاحت المسابح والمقاهي والملاهي والمهرجانات اضافة الى تطبيق قانون السرية المصرفية الذي طور القطاع نتيجة تدفقات الودائع المصرفية اضافة الى الدور الريادي الذي لعبه كازينو لبنان والأرباح التي تمكن من ضخها في خزينة الدولة واخيرا ليس اخرا شبكة المواصلات المتقدمة حيث انتشرت محطات القطار على مساحة الوطن واتوبيسات النقل المشترك أما بيروت فتميزت بوجود الترامواي كل ذلك تبخر ما بعد الحرب وأصبح من الذاكرة اللبنانية وينظر له المواطن مثل “حلم ابليس في الجنة”.

لن أغوص في النظريات الاقتصادية والأرقام والمؤشرات التي سئم منها المواطن الموجوع الثائر على الفقر والجوع والعوز والذي ادى به مستوى البطالة الى ان ينام ليله على أبواب السفارات امل منه الحصول على تأشيرة هجرة قد تعيد له الأمل في مستقبل واعد كان قد فقده في بلاد الأرز نتيجة احتكار السياسيين جميع مقدرات البلاد واتباعهم مبدأ المحاصصة والزبائنية في التوظيف ما ارهق القطاع العام والخاص معا ولم يكتفوا بذلك بل أنشأوا الصناديق والمجالس والمؤسسات والجمعيات على مختلف اشكالها والوانها وتقاسموها حصصا فانهارت مالية الدولة وخسر معها المواطن أدنى حقوقه بالعيش الكريم اما هم فصطع نجمهم وعلا شأنهم وانتفخت حساباتهم المصرفية في الداخل والخارج وازدهرت أعمالهم واحزابهم على حساب السيادة اللبنانية المنقوصة.

ختاما يا سادة ان الطبقة السياسيّة عندنا في لبنان، منطقُها امتدادٌ لمنطق الإقطاع، الذي لا يرقى وبأيّ شكل من الأشكال إلى مستوى الخير العامّ. وهذه الذهنيّة يهمّها أن تعطّل الدستور لمصالحها الخاصة وهذا ما نراه حاليا في مرحلة التأليف والتكليف. اما الاقتصاد فظلّ رهين اللعبة السياسية ولم تُعرف بعد وجهتُه اذا كانت لصالح لبنان أو لتخدم أجندات خارجية إقليمية كانت ام دولية. كلّ ذلك يدلّ أنّ الاقتصاد عندنا لا صفة اجتماعيّة له، يراكم أرباح البعض مقابل إفقار الكثيرين.

اخترنا لكم

إغلاق