إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

من اقتصاد “تلبيس الطرابيش” إلى اقتصاد “ألك معنا وما معنا”

أجاد اللبنانيون بعد الحرب لعبة اسمها “تلبيس الطرابيش”. وجوهر هذه اللعبة ان يقوم الفرد الاقتصادي بالاستدانة بالتتابع من مصادر متعددة بحيث يقوم بسداد دين في مقابل التورط مع (وبالاحرى توريط) دائن اخر.

بعد الحرب مباشرة نمى حجم الاقتصاد بطريقة غير متوافقة مع نمو السيولة المتوفرة لتغذية شرايين الاقتصاد، واشتدّ التنافس بين القطاعين العام والخاص على اجتذاب مصادر التمويل (أو ما يعرف بالأثر الطارد) في ظل فوائد مصرفية مرتفعة.
بدأت الوحدات الاقتصادية بتطوير وسائل تمويل مختلفة تلبي حاجات الاقتصاد ولكنها تحمل مخاطرة مالية عالية.

الدين المكشوف على الفاتورة، القروض الاستهلاكية المحمولة من البائع مقابل سندات والشيكات المؤجلة الدفع.

الوسيلة الأخيرة بشكل خاص غير محمية باي قانون وهناك أحكام أصدرتها المحاكم اللبنانية تجازي الدائن والمدين بهذه الطريقة على حدِّ سواء، رغم ذلك فهي الطريقة التي تستحوذ اليوم أوسع منافذ السيولة لتمويل توسع النشاط الاقتصادي.

في احشاء لعبة التلبيس نمت ظاهرة أخرى أشد فتكاً هي ظاهرة “ألك معنا وما معنا” وهي التي تقوم على فلسفة تقول لننتظر ظروفاً افضل ربما يمكن الدفع/ تحصيل الديون، أما اليوم فأن النزاع على الدين قد يؤدي إلى محكمة الإفلاس التي تضمن إيذاء المدين ولا تضمن تحصيل المال.

“الك معنا وما معنا” استخدمتها الدولة بدورها وما زالت مع المتعهدين والمستشفيات وفئات من الإجراء والبلديات. حتى أننا نستطيع القول ان إعادة تجديد الدين العام دون افق لعكس اتجاهه هو احد أشكال “ألك معنا…”. أبرز النقاش حول موازنة ٢٠١٩ رائحة ما تشي بعقلية “ألك معنا…” خاصة البنود المتعلقة بإعطاء سندات خزينة مقابل تعويض نهاية الخدمة.

القطاع الخاص وقع في فخ اكثر خطورة هو فخ الشيكات المرتجعة. شيكات مصدرة تحتفظ بها الشركات كاصول سائلة على ميزانياتها ولكنها في الواقع ديون عاطلة او مشكوك بتحصيلها، ولكن الظرف الاقتصادي لا يساعد في تشكيل مؤونات مقابلها.

تنتقل عندها المشكلة من الشركات إلى مموليهم من المصارف التجارية سببه الخطر النائم على هذه الميزانيات.

تفاوض المصارف مع الشركات وتضغط من أجل تحصيل الحد الأدنى وهي في موقع قوة يسمح لها بفرض أولوية تشغيل (وليس تحصيل) ديونها، فتنفجر المشكلة في مكان اخر: أجور الموظفين.

بات شائعاً ان الشركات الاقل تنافسية وحظوة تؤخر دفع أجور الموظفين أربعة أشهر او ستة او ربما سنة. بعض آخر أنجز اتفاقاً مع الموظفين على العمل بنصف اجر مع تأجيل دفع أيضاً، وبعض ثالث استخدم وقاحة الشيطان بالقول “ألك معنا وما معنا” و”صايرلك فرصة احسن فل” مع “انو مش حاببينك تفل”

بعض الاقتصاد بحاجة للتخلص من الأثر الطارد للحكومة (crowding out effect) لأجل دوران السيولة بين الوحدات الاقتصادية بعدالة. لكن بعض اخر من الاقتصاد يحتاج هذا الأثر بالظبط لاستمرار تشغيل وحداته الاقتصادية (المستفيدون من الإنفاق الحكومي).

من يملك الحلّ؟ في لحظة المأزق تصعب الاجوبة لكن الأكيد أننا بحاجة لعقل حكومي رشيد واقتصادٍ اكبر.

اخترنا لكم

إغلاق