دولياتمقالات رأي

مصيدة الاغريق ولعنة التاريخ بين اميركا والصين

خلال زيارتي الاخيرة للصين للمشاركة في فعاليات القمة الاقتصادية لطريق الحرير، تسنى لي ان اجالس صديق لي، لا تسمح لكلينا ظروف العمل باللقاء المطول في بيروت. طبيب دخل الصين طالبا عام 1979 وهو اليوم من ابرز الشخصيات العربية الصينية. تحدثنا طويلا عن نهضة الصين واخبرته اني ارى بلدا مختلفا عن ذلك الذي زرته عام 2011، فضحك ساردا وضع ذلك البلد الذي وصله قبل 39 عاما الذي كان يعج بالدراجات الهوائية والباصات العامة المترهلة وندرة السيارات, حيث كانت الطرق عبارة عن ترسيمات يملؤها التراب وطريق ضيق يربط المطار بالمدينة وبيوت متقادمة بطابق واحد ولون واحد رمادي وعمارات قليلة. ويلبس الصينيون لباسا موحدا والمعروف بزي ماوتسيتونغ فيه لونين الكاكي والكحلي الغامق لم يكن هناك تنانير ولا شورتات على الاطلاق.

الصين اواخر السبعينيات من القرن الماضي:

قال صديقي انه في العام 1979 كان الاكاديميون الصينيون يحدثونه عن العصرنات الاربعة التي تشكل استراتيجية الصين للعقود القليلة القادمة. والعصرنات الاربعة هي عصرنة الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا والدفاع, ويقول انه كان يتعجب ويفترض ان الصينيين حالمون وربما واهمون، فكيف يمكن لبلد بهذا الوضع ان يصل الى ما يصبو اليه على حد ذلك ” الوهم الحالم الاستراتيجي”.
في الطريق الى بكين كنت قد استمعت لمحاضرة مطولة للبروفسور في جامعة هارفارد غراهام اليسون القاها في مجلس كارنيغي للاخلاق في الشؤون الدولية، وهو المفكر الذي اطلق نظرية “مصيدة ثوسيدايدس” الاغريقية على العلاقات الاميركية الصينية، حيث يشير الى ان الصين تتحضر لاستلام قيادة العالم من الولايات المتحدة وهذا ما يمكن ان يؤدي الى اشتعال الحرب وفقا لمصيدة ثوسيدايدس. (مصيدة ثوسيدايدس هي مفهوم مستمد من كتابات المؤرخ الاغريقي ثوسيدايدس حول الحرب التي جمعت اسبارطة واثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، معتبرا ان خوف اسبارطة من صعود اثينا هو الذي ادى الى الحرب. يطبق اليسون هذا المفهوم اليوم على خوف الولايات المتحدة الاميركية من صعود الصين.)
لكن الاهم ان اليسون يبني اعتقاده عن القيادة الجديدة للعالم على مجموعة من المؤشرات التي تؤكد ان الصين قد سبقت الولايات المتحدة في كل شئ تقريبا”! ويسال اليسون ماهو التطور الجيوستراتيجي الكبير الذي شغل العالم خلال الخمسة وعشرون سنة الماضية؟ وما هو التحدي الجيوستراتيجي للولايات المتحدة خلال السنوات الخمسة والعشرون المقبلة؟ وعلى السؤالين جواب واحد: الصين!
يعطي اليسون مثالا قويا عن فارق الكفاءة بين الدولتين فيشير الى مشروع تجديد جسر اندرسون على نهر تشارلز في كامبردج الذي بدأ عام 2012 وكان من المفترض ان ينتهي عام 2014 ثم اجلوا انهائه سنة بعد سنة وهو لم ينجز بعد حتى تاريخ محاضرة اليسون. بالمقابل هناك جسر سانيوان في بكين وفيه ثلاث اضعاف عدد خطوط سير جسر اندرسون الذي انجزت تجديده الحكومة الصينية في…43 ساعة!
ويقول يوجد اليوم خط سكة حديد طويل وسريع واحد في الولايات المتحدة بين سان فرانسيسكو ولوس انجلوس، بدأ العمل به قبل عشر سنوات ويتوقع ان ينجز عام 2029. بالمقابل بنت الصين 16000 ميل من سكك الحديد السريعة والطويلة خلال السنوات العشر الماضية والولايات المتحدة ترحل مشروع 500 ميل الى العام 2029.
الصين هي الاولى في العالم اليوم في المجالات التالية: اوسع طبقة وسطى ، اكبر منتج للهواتف النقالة والذكية، اكبر منتج للحواسيب، اكبر عدد اصحاب المليارات، اسرع سوبر كومبيوتر ويبلغ مجموع هذه المؤشرات 26 مؤشرا تتفوق بهم الصين على الولايات المتحدة و العالم اجمع وضمنا حجم الناتج القومي.
وهنا المفاجئة! العالم يعتقد ان اقتصاد الولايات المتحدة اكبر مرة ونصف المرة من اقتصاد الصين، لكن اليسون يعود الى ادبيات واحصاءات صندوق النقد الدولي ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية الذين يستخدمان افضل معيار لقياس الناتج القومي وهو تعادل القوة الشرائية‌‌، (نظرية تعادل القوة الشرائية تستخدم كحساب اكثر دقة للناتج القومي لانها تعتمد فروقات الاسعار كاساس لتقييم الناتج، فأذا كانت نسبة الاسعار لسلتي بضائع متشابهتين بين بلدين هي واحد ونصف فان ناتج البلد الاقل سعرا يضرب بهذه النسبة لقياس المستوى الحقيقي للناتج القومي) والذي يظهر بوضوح ان الاقتصاد الصيني اكبر من اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية!
الصين تبعا لاليسون تتقدم وتتحدى وتتخطى الولايات المتحدة في معظم المجالات وستتقدم اكثر وتصبح حقيقة تفوقها على الولايات المتحدة في المستقبل….شيئا” من الماضي.
قبل ان اغادر الصين قال لي صديقي اللبناني-الصيني ان الصينيين كانوا يقولوا له في ذلك الزمان ايضا ان الصين ستحكم العالم العام 2020 (توقع جدير بالدهشة)، وربما يكون برفيسور هارفارد وصديقي يتفقان اليوم ان ما بدا حلما واهما قبل اربعين عاما قد بات قاب قوسين او ادنى من الحقيقة الساطعة.
التاريخ شعوب وأقدار، ففي 16 حالة شبيهة عبر الزمن، شاءت اقدار التاريخ ان تنتج 12 حربا وفقا للمصيدة الاغريقية، فهل هذا ما ينتظر الغريمين الكبيرين …..والعالم؟

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى