إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمصارفمقالات رأي

مستنقع المصارف اللبنانية والموت الرحيم!

تعرض القطاع المصرفي اللبناني، الذي كان يعتبر في السابق دعامة للاقتصاد، لضربة لصورته منذ اندلاع الحراك المدني في اكتوبر 2019 وقد ازداد الغضب الشعبي منذ أن بدأت البنوك في تقييد الحصول على الدولار او ما يعرف بالـ “كابيتل كونترول” ومنذ ذلك الحين تفاقمت سوأ مع اختفاء العملة الامريكية تدريجيا من التداول ناهيك عن التصرفات العشوائية التي مارستها اغلبية المصارف مع عملائها.

من المؤكد أن ما حصل ويحصل كل يوم هو بمثابة زلزال سياسي ومالي أصاب القطاع المصرفي اللبناني تحديدا، بصرف النظر عن الأزمة الكبيرة التي يعاني منها اللبنانيون. من الناحية الاكادمية العلمية وبكل موضوعية يمكننا القول إن هذا القطاع أصبح في حالة غيبوبة، وفقد المبادرة في السوق النقدية، ولولا وجود بعض الضوابط القانونية والتعاميم الصارمة، لكان اصبح الاحتياطي الالزامي في خبر كان كما حصل للودائع المصرفية وتلاه احتياطي الذهب.

من الممكن ان نجد من لا يوافقنا الرأي عن انهيار القطاع المصرفي، لكن بعض المؤشرات تدعو الى القلق، وعلى أقل تقدير، فإن الأضرار التي لحقت بسمعة المصارف كبيرة جدا، واهتزت أسطورة الإبداع المصرفي اللبناني أمام المودعين اللبنانيين، وأمام المتعاملين معهم في الخارج.

لا يمكن القول إن الدولة مسؤولة بالكامل عما لحق بالقطاع المصرفي اللبناني، على شاكلة ما كان عليه الحال إبان أزمة بنك إنترا في العام 1966، لأن ما حصل مع إنترا كان اقتصاصا حكوميا مدعوما خارجيا استهدف الحجم الذي وصل اليه البنك وقوة رئيس مجلس إدارته يوسف بيدس، بينما ما نشاهده اليوم ينم عن تخبط مصرفي واضح مدعوم من وسط سياسي متآكل، وجشع.

ما هدف المصارف من هذه العمليات؟

لقد تخلت المصارف اللبنانية عن دورها في تعزيز الاقتصاد عبر ادوات التسليف والخدمات الائتمانية للافراد والمؤسسات واعتمدت على اقراض الدولة اللبنانية مع علمها المسبق بحجم الدين العام الذي تخطى النسب المقبولة انما طمع القيمين على هذا القطاع وجشعهم وحبهم لجني ما يمكن من ارباح نتيجة الفوائد غير المبررة دفعهم بالتضحية باموال المودعين من اجل تحصيل ارباح سنوية ناهزت 2 مليار دولار اميركي استثمروها في الخارج بمشاريع خاصة.

عندما تطلب الامر اعادة جزء من الارباح التي بلغت حوالي 60 مليار دولار اميركي منذ فترة ما بعد الحرب وذلك لتعزيز راس المال بحسب تعميم المصرف المركزي من جهة وتلبية حاجة المودعين من عملة اجنبية من جهة اخرى تم تجاهل ما هو مطلوب قانونا واخلاقيا وبذلك ساهمت المصارف في تلطيخ سمعتها محليا وعالميا.

ان القرارات التعسفية الارتجالية التي تفرضها المصارف اللبنانية على عملائها لا تعد ولا تحصى كما وانها تختلف بين مصرف واخر، على سبيل المثال لا الحصر، ان ما شهدناه من تخبط في تنفيذ التعميم رقم 158 الصادر عن مصرف لبنان اكان لناحية تحديد المستفيدين او لناحية كيفية التطبيق ام للنماذج المبهمة التي تعري المودع من حقوقه والتي يتوجب علىيه التوقيع عليها كلها اذا دلت فهي تدل على مدى تفكك القطاع المصرفي وفقدان الدور الذي يجب ان تلعبه جمية المصارف.

اما الاخطر من كل ذلك فهو ما شهدناه منذ فترة عبر دخول المصارف على خط صرف الشيكات المصرفية في السوق السوداء ضاربة بعرض الحائط جميع الاسس والمعايير المصرفية المتبعة منذ بدايات العمل المصرفي في لبنان منتصف القرن الماضي وغير آبهة بالمواد القانونية المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف.

للاضاءة على اسباب هذه العمليات المباشرة وغير القانونية ولكشف المستور عن اخلاقيات المتحكمين في القطاع المصرفي يمكن ايجازها في أمرين، فهي تخلّصت اولا من جزء من الودائع عبر تسديد القرض سواء عن طريق الوديعة أو الشيك وفي الوقت نفسه تخلّصت من جزء من القروض.

اما غير مباشرة فقد استفادت المصارف فعلياً من هذه الطريقة حيث شجعت الموظفين لكي يقوموا بهذه العملية فتحولوا إلى صرافين أيضاً يأخذون عمولة على كل عملية وبهذه الطريقة ضمنت المصارف ولاء الموظفين لأنها أعطتهم مصدراً إضافياً للأموال من دون أن تتكبد زيادة في الراتب واشترت ولاءهم وأيضاً أبقت على عملية شراء الشيكات تحت أعينها وبإدارتها.

هل من مسؤولية على جمعية المصارف؟

أولا: كان يمكن للمصارف رفع الصوت أكثر منذ أن بدأت المؤشرات المقلقة في العام 2017 كما فعل رئيس مجلس ادارة بنك بيبلوس الدكتور فرنسوا باسيل (الذي تم اقصاءه عن رئاسة جمعية المصارف) وايضا كان عليها تحذير الطبقة السياسية من خطورة استمرار العجز في الموازنة العامة للدولة، خصوصا أن الاستدانة لتغطية هذا العجز لم تصرف على الإنفاق الاستثماري

ثانيا: كان يجب على المصارف الاحتراس أكثر في تعاملها مع الدولة اللبنانية، لأن قانون النقد والتسليف يفرض على هذه المصارف الحصول على ضمانات لسداد أي دين تقدمه لأي كان بما في ذلك للدولة اللبنانية، وهذا ما لم يحصل.

ثالثا: لو خسرت المصارف اللبنانية مجتمعة مبلغ 5 مليارات دولار لتوفير السيولة للسوق بعد 17 أكتوبر 2019 وبالتالي الحفاظ على التوازن في الأسواق كان أفضل لها من ولوج حالة الهلع التي أصابت هذه الأسواق، وأدت الى زحف المودعين لسحب مدخراتهم، وبالتالي اهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني.

القطاع المصرفي الى اين؟

قد لا يختلف اثنان على ان القطاع المصرفي اللبناني قد فقد دوره الريادي في الاقتصاد كما فقد ايضا ثقة اللبنانيين وهنا يطرح السؤال عن مستقبل القطاع المصرفي وتداعيات الارتكابات التي مارسها بحق المودعين على صورته والدور الذي سيلعبه في المرحلة المقبلة؟

مما لا شك فيه ان الاجابة على هذه التساؤلات تكمن بالعودة الى ازمة بنك انترا سنة 1966 واستخلاص العبر من الاصلاحات الرئيسية التي طالت القطاع بهدف اعادة الثقة اليه. من اهم ما قامت به الحكومة فقد افسحت المجال امام المصارف الاجنبية بتوسيع عملياتها المصرفية، وأشرفت على إصلاح البنوك القائمة من خلال سلسلة من عمليات التصفية والاندماج. والأهم من ذلك، أنها أدخلت تشريعات تنظيمية بهدف حماية العملاء في حالة الإفلاس. فقد أدت هذه الإصلاحات إلى الشفاء العاجل وشهد هذا القطاع انتعاشا جديدا في أوائل السبعينات.

بيد أن حجم أزمة اليوم لم يسبق له مثيل، واحتمالات الانتعاش أقل بكثير. من الناحية المالية، فإن القطاع المصرفي بأكمله في حالة تصريف اعمال، اضف الى ان حجم الخسائر كبير جدا قد يصل الى 50 مليار دولار وهذا ما لا يمكن ان يعوض بسهولة والاخطر من كل ذلك هو اعادة رسملة المصارف الامر الذي عجزت عنه المصارف حتى الان من جهة اخرى لقد لحظنا اقفال عدد لا يستهان به من فروع مصرفية وتبع ذلك تسريح عدد كبير من الموظفين. ان كل هذا المسار اذا دل على شيء فهو دلالة على انتهاء صلاحية القطاع المصرفي الذي عرفه لبنان منذ منتصف القرن الماضي وفتح الباب امام عصر جديد ينبئ بتحجيم عدد المصارف بما يتماشى وحجم الاقتصاد اللبناني اضافة الى ادخال مستثمرين من خارج نادي مجالس الادارة الحاليين بهدف اعادة الثقة في القطاع والقيمين عليه.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى