إقتصادمقالات رأي

ما بين التقشُّف والتكشُّف: حكاية خادمة ـ بقلم المحامي زياد فرام

لما كانت الموازنة هي البرنامج المالي الذي يعكس سياسات الحكومة على مختلف الأصعدة والمرافق العمومية .

وبعد أن أصدرت وزارة المالية مشروع قانون الموازنة للعام 2019 وأسبابه الموجبة.
وبما أننا في ظروف إستثنائية تحتم علينا تقرير دراسة إستثنائية وموازنة إستثنائية في إيراداتها ونفقاتها ما يعزّز صمود الإقتصاد ويكبح الهدر والمحاصصة.

فالإصلاحات التي لا تجابه الدّين العامّ وخدمته، لن تؤدّي إلا لمزيد من الإفلاس..

لكننا لم نرَ أيّة أسباب موجبة كتقديم إلزامي لسياسة الحكومة التقشفية، بيد أن أموراً تكشفت لنا مفادها أن نمط الإنفاق العام لم يتغير، وبالتالي فإنَّ العجز باقٍ..

بالمقابل فموارد الخزينة تعتمد على الجباية!!
والسؤال الذي يطرح نفسه : كيف يمكن تعزيز الجباية بدون وقف التهرُّب و في زمن الركود الإقتصادي؟

لقد تم تعديل برامج إعتمادات الدفع لوزارات المالية والأشغال والدفاع والتربية الوطنية حيث أرصدة إعتمادات الدفع أرجئت لسنة 2020 !!.

وهنا هل من بديل في هباتٍ لتلك المرافق؟

كذلك تم تعديل قانون السّير الجديد بمادتيه 401 و402 واللتان تنصّان على اقتطاع نسب معينة من غرامات السّير كما والأحكام الصّادرة بمعرضها إن لصالح صندوق الإحتياط في قوى الأمن الداخلي أو البلديات أو صندوق تعاضد القضاة والمساعدين القضائيين، فاستعيض عن هذين النصّين بأن أصبحت العائدات جميعها حقاً لمصلحة الخزينة العامّة.

وفيما خصّ ضرائب الدّخل والأرباح فقد استحدثت الموازنة شطراً جديداً للمكلّفين بأن فرضت نسبة 25% على أساس الواردات أو القسم الخاضع للضريبة الذي يفوق 250000000 ل.ل. وفي أرباح المهن التجارية والصناعية كما وإيرادات الدخل ، كذلك زادت الضريبة على أرباح شركات الأموال بأن أصبحت 17% .

يبقى تعويل مشروع الموازنة المتداول على الإقتطاعات من رواتب وأجور موظفي القطاع العام دون المسّ بكبار المكلّفين !! ..
وتستحضرني هنا قصة “الخادمة المغفَّلة” إحدى روايات الأدب الروسي، و تدور حول المطالبة بالحقّ ..وفي تفاصيلها :

“دخلت الخادمة على سيّدها الذي أرسل في طلبها وقالت له: معذرة سيدي فقد أرسلت في طلبي لم يعِرها انتباهه للحظة ثم استدار قائلًا لها: تفضلي الجلوس، فقد أرسلتُ في طلبكِ حتى تتقاضي راتبكِ فأنت بالتأكيد تحتاجين للنقود، ثم أكمل: لقد اتفقت معكِ على ثلاثين روبلاً كراتب كل شهر، فأجابته :بل أربعين سيدي، أجابها: كلا اتفقنا على ثلاثين، فقد سجلت ذلك في دفتري، فدائمًا ما أدفع ثلاثين روبلاً للمربيات، ثم قال: لقد مكثتِ لدينا شهرين.. فأجابته شهرين وخمسة أيام سيدي، فقال: شهرين بالتمام والكمال هذا مسجل عندي، ثم أكمل إذًا يلزمكِ منّي ستين روبلاً، فهزت رأسها بالموافقة.

ثم أكمل: سوف نخصم تسعة أيام آحاد، لأنك لم تعملي فقد كنتِ تتنزهين، و سنخصم ثلاثة أعياد إذاً يتم خصم اثني عشر روبلاً، ثم استطرد : لثلاثة أيام متتالية مرض ولدي فلم تقومي بتدريسه ودرستي أخته وحدها، ولثلاثة أيام أخرى اشتكيت أنت من ألم الأسنان وسمحَت لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء فسيتم خصم سبعة إذا جمعناها على اثنا عشر صار المجموع تسعة عشر روبلًا فيتبقى لك واحد وأربعون روبلًا..

نظر السيد إلى الخادمة فوجد وجهها مكفهرًا..نظر إليها للحظة طويلة ثم أكمل: في ليلة رأس السنة قمتِ بكسر فنجانٍ مع طبقه فسنخصم روبلين فقط على الرغم من أن الفنجان يخصّ العائلة ويساوي أكثر من ذلك لكن فليسامحك الله! و بسبب إهمالك تسلّق ابني الشجرة وتمزقت سترته إذًا سنخصم عشرة، وبسبب إهمالك أيضًا سرقت الخادمة حذاء ابنتي فأنت تتقاضين على متابعتك لهم، صمتت الخادمة مرة أخرى، ثم أكمل: إذًا سنخصم خمسة، وقد قمتِ باقتراض مبلغ عشرة روبلات مني بتاريخ العاشر من يناير ، هنا ردّت الخادمة وقد تملكتها الدموع: لم أقترض منك، فرد عليها: لكن هذا مسجل عندي، قالت: حسنًا فقال: إذا نخصم من واحد وأربعون سبعة وعشرون روبلاً يتبقى لك أربعة عشر روبلًا ، فردت عليه: لقد اقترضت مرة واحدة فقط من زوجتك وكانت ثلاثة روبلات فقط ولم آخذ غيرها، صمَت قليلًا ثم قال: حقًا لم أسجل هذا عندي إذًا نخصم ثلاثة روبلات ويتبقى لك إحدى عشر روبلًا فتفضّلي نقودك يا عزيزتي، وبدأ يعد النقود .. ”

نحن اليوم نبحث عن حلولٍ.. وإنَّ تخفيف وتشحيل الرواتب والأجور ليس هو الحلّ، بل يكون الحلّ بوقف الهدر والمحاصصة..
أللهمّ إلا إذا رضيت ” الخادمة ” بهذا الحلّ وهنا المصيبة أعظم..

اخترنا لكم

إغلاق