اخترنا لكماقتصاد الطاقةمقالات رأي

ماذا يحصل في موازين القوى النفطية… وسعر البرميل إلى أين؟

المملكة المتحدة-لندن

ديناميات سوق النفط

تمر خارطة العالم النفطي بمرحلة تغيير جذري. منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط “أوبك” لم تعد المحرّك الرئيس ولا تملك القوة والتأثير لتغيير المعادلات في الساحة النفطية كما فعلت خلال الاربعين عام الماضية أو منذ بداية السبعينات من القرن الماضي.
وحسب تقديرات بلومبيرغ للمال والأعمال اوائل أغسطس آب الحالي فقد هبط إنتاج “اوبك” كمجموعة لأدنى مستوياته منذ 2014. حيث بلغ إجمالي إنتاج “أوبك” مجتمعة 29.4 مليون برميل يوميا خلال شهر يوليو تموز 2019. وقبل سنوات وصل إنتاج أوبك الى ما يزيد عن 34 مليون برميل يوميا او ما يزيد عن 40% من الإنتاج العالمي مقارنة بـ29% الآن. وتعتقد الفايننشال تايمز صحيفة المال والأعمال البريطانية “ان اتفاق أوائل تموز 2019 في اجتماع فيينا بين أوبك وشركائها وعلى رأسهم روسيا بخفض الإنتاج بواقع 1.2 مليون برميل يوميا لستة او تسعة شهور أخرى، ما هو الا دليل على انتقال قوى التأثير من المنتجين الى المستهلكين”.
لم تعد السعودية المنتج الأكبر للنفط ولم تعد قادرة على تغيير المعادلة كما كان سابقا عندما لعبت دور المنتج الترجيحي في الثمانينات والتسعينات. ولكن تبقى السعودية أكبر مصدّر للنفط حيث تبيع 7 ملايين برميل يوميا لزبائن في شرق آسيا وأميركا الشمالية. ويجب القول أن اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط بدأ يتراجع.

الأسباب التي تعصف بمداخيل أعضاء “أوبك” وتمنع الأسعار من الارتفاع

انخفضت أسعار النفط مؤخرا في ظل ارتفاع وتيرة المخاوف بشأن النمو الاقتصادي العالمي وتراجع الطلب العالمي على النفط الخام بعد اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتصعيد الحرب التجارية مع الصين عبر فرض رسوم بنسبة 10% على بضائع صينية مستوردة بقيمة 300 مليار دولار مما يعني تقليص استيراد الصين للنفط الخام والغاز الطبيعي المسال.
وفي تطور مفاجئ سمحت الصين للعملة الصينية الرينمنبي ان تهبط قيمتها الصرفية لأقل من 7 دولار وهذا لم يحدث منذ الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009، ومن شأن انخفاض العملة الصينية زيادة تكلفة واردات الصين النفطية المقومة بالدولار وكذلك إشعال حرب عملات بين بيجينغ وواشنطن.

وحسب مصادر إخبارية، تتعرض أسعار النفط الخام لضغوط بسبب مؤشرات على ارتفاع الصادرات النفطية الأميركية الى 3.16 مليون برميل يوميا.
والمثير أنه رغم كل التوترات الجيوسياسية والتهديدات الايرانية وحرب الناقلات في مضيق هرمز وتعرض سفن للتخريب في ميناء الفجيرة واحتجاز ناقلة “ستينا امبيرو” والتي تحمل العلم البريطاني في تموز من قبل ايران، لم تصعد الأسعار لمستويات قياسية. فضلا عن غياب الاستقرار في دول أعضاء أوبك ليبيا ونيجيريا وفنزويلا. ولكن رغم كل ذلك تبقى الأسعار في اوائل الستينات ولم تصعد الى 100 دولار وما فوق كما توقع الكثيرون.
حتى ان اتفاق تخفيض الإنتاج بين “أوبك” وروسيا بواقع 1.2 مليون برميل يوميا لم يكن له تأثير يذكر على الأسعار. وتبقى الأسعار بحدود 61-63 دولار للبرميل لمزيج برنت القياسي و 55 الى 57 دولارا لخام غرب تكساس الوسيط. والسبب البسيط والسريع هو ان خريطة العالم النفطية بدأت تتغير ولم تعد كما كانت في السنوات السابقة.
الكوابح التي تمنع الأسعار من الارتفاع تشمل حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية ضد الصين. ثم تراجع الطلب العالمي. وفي تموز الماضي قامت وكالة الطاقة الدولية بتعديل توقعاتها بنمو الطلب العالمي على النفط الخام من 1.5 مليون برميل يوميا خلال عام 2019 الى 1.1 مليون برميل يوميا. والسبب الآخر الذي يساهم في كبح الأسعار هو ارتفاع وتيرة إنتاج الزيت الصخري الأميركي.

الإنتاج خارج “أوبك”

نجوم النفط الصاعدة الآن هي الولايات المتحدة وروسيا. تنتج روسيا ما يزيد عن 11 مليون برميل يوميا. وثورة الزيت الصخري الأميركية سمحت للولايات المتحدة بتصدير كميات كبيرة من النفط الخفيف. الإنتاج الأميركي المتصاعد يعتبر ضربة مؤلمة لمنظمة أوبك. وحسب وكالة الطاقة الأميركية تنتج الولايات المتحدة حاليا 12.2 مليون برميل يوميا وهذا الرقم مرشح للارتفاع. وتنتج روسيا 11.2 مليون برميل يوميا ولكنها ليست في وضع يسمح لها برفع الإنتاج لأنها تنتج أقصى ما يمكن. أما البرازيل تنتج حسب وكالة الطاقة الدولية 2.8 مليون برميل يوميا ومن المتوقع ان يصل الانتاج الى 3 ملايين برميل يوميا وهذا يعادل او يزيد عن إنتاج بعض أعضاء أوبك.

حوض بيرميان في ولاية تكساس ونيو مكسيكو

وحسب المعلومات المتوفرة من مصادر الطاقة الأميركية بلغ إنتاج حوض بيرميان من النفط الصخري 5 ملايين برميل يوميا او ما يقارب 40% من اجمالي الانتاج الأميركي. الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط ولكنها تصدر ما يزيد عن 3 ملايين برميل يوميا اضافة الى تصدير الغاز الطبيعي المسال. بينما تصدر النفط الخفيف لا تزال تستورد الخام الثقيل الذي يناسب المصافي التكريرية التي تم تأسيسها قبل اندلاع ثورة تكسير الصخور لاستخراج الزيت الصخري في بداية الألفية الثالثة. وأشار تقرير حديث لمعهد البترول الأمريكي API ان الولايات المتحدة ستواصل مشاريع رفع إنتاج النفط الخام. وتصدر أميركا كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. حيث صدرت عام 2018 حوالي 9.9 مليار قدم مكعب يوميا ولمست الصادرات 11.8 مليار قدم مكعب يوميا في ديسمبر كانون الأول 2018.

التوترات في الخليج تهدد صادرات أوبك

وبين أعضاء أوبك فقط العراق استطاعت رفع الإنتاج من 2.9 مليون برميل يوميا عام 2009 إلى 4.5 مليون برميل يوميا عام 2019. ولكن صادرات الخليج من النفط تبقى تحت رحمة التوترات والتدخلات الايرانية في مضيق هرمز. وانعكس هذا الوضع الخطير على أسعار النقل البحري ورسوم تأمين الشحن البحري التي صعدت لمستويات غير مسبوقة في الأسابيع الأخيرة. ولا غرابة ان تبحث الدول المستوردة للنفط عن مصادر بديلة خارج المنطقة. كما ان دول منتجة مثل السعودية والإمارات تخطط لتوسيع قدرة أنابيب النفط لنقلها من الخليج إلى سواحل البحر الأحمر. وحتى بناء قنوات تمتد الى 900-1000 كم لربط الخليج بالبحر الأحمر لتجنب استخدام مضيق هرمز ولكن هذه المشاريع تستغرق سنوات وحسب مصادر مطلعة تتراوح التكلفة بين 80 الى 200 مليار دولار.
مما لا شك فيه ان ديناميات أسواق النفط تغيرت وباتت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم. والتطورات التكنولوجية خفّضت تكلفة انتاج الزيت الصخري. حيث يستطيع منتجو الزيت الصخري جني ارباح في نطاق سعري 50 الى 60 دولار. قبل 5 سنوات احتاجت صناعة النفط الصخري الى سعر 65 دولار للبرميل لتحقيق نقطة اللا ربح ولا خسارة. والسؤال المطروح هل ستستعيد “أوبك” دورها المحوري كلاعب ذو نفوذ وتأثير في ساحة النفط العالمية؟ علما ان احتياطيات دول أوبك من خام النفط بلغت عام 2017 نحو 1214 مليار برميل تمثل نسبة 81.9% من الاحتياطيات العالمية.

اخترنا لكم

إغلاق