إقتصادمصارفمقالات رأي

ليس بالليرة وحدها يحيا لبنان

هل يقف صمود لبنان اليوم على استقرار سعر صرف الليرة؟
سؤال تستوجبه قراءة التطورات المتسارعة في كافة مفاصل الكيان اللبناني في ظل شلل السلطة التنفيذية.
تستوجبه أيضا تلك الحكومة الموعودة التي بات تشكيلها شائك لدرجة تدفع للسؤال عما يمكن أن يكون وعد حكومة يجهد مهندسوها في اجتراح تسويات لتشكيلها، فأي تسويات اذن تلك التي يمكن أن يقوم عليها العمل الحكومي.
أن تشكيل الحكومة قد بات أمرا لا يمكن تأجيله لوقف الفوضى الزاحفة بقوة الأمر الواقع يوما بعد يوم ومنطقة بعد أخرى، ولكن مفاوضات التشكيل لا تعطي اي إشارة إلى أننا نتجه (في حال شكلت) إلى فريق حكومي فيه حد أدنى من التجانس لوقف الخراب الزاحف.
يبقى أفضل ما في هذا المشهد الكئيب هو استقرار سعر صرف الليرة، وذلك لأسباب لا تعصى على فهم احد:
١- حماية لقمة عيش ٧٠٠ الف عائلة لبنانية تقبض اجورها بالعملة الوطنية وبالتالي حماية كرامة غالبية راجحة من العائلات اللبنانية المنتجة.
٢- حماية كرامة المتقاعدين من مدنيين وعسكريين وحماية المدخرات الحقيقية الوحيدة المتبقية لأصحاب الأجور وهي تعويضات نهاية الخدمة.
٣- حماية البلد من الانزلاق إلى فوضى معممة سوف يستدرجها اي انهيار نقدي في ظروف يجمع العارفون أن السلم الأهلي لن يكون مضمونا” بعدها.

٤- حماية ما تبقى من المدخرات النقدية المحررة بالعملة اللبنانية.

حسنا، فعلى ماذا يقوم استقرار الليرة اليوم؟
سياسة التثبيت النقدي معتمدة منذ أوائل التسعينات وهي هدفت إلى استعادة الثقة بلبنان وتشجيع جذب الرساميل في ظل مشروع إعمار طموح جدا” عرف اولا بخطة لبنان ٢٠٠٠ ثم تحول إلى أهداف أكثر تواضعا وهي حماية لبنان من مجموع العواصف التي دخلتها المنطقة بعد انهيار مشروع التسوية الإقليمية.
نحن نقف اليوم في وضع سياسي إقليمي حرج، ويقف لبنان في وضع اقتصادي بلغ مرحلة الركود التصخمي وهي تسمية تجمع أسوأ شكلين من أشكال التعطل الاقتصادي.
ومع الشلل السياسي وتعطل كافة أدوات السياسة الاقتصادية تصبح أدوات السياسة النقدية هي الوحيدة التي تعمل على حماية الليرة.
لكن اختصار عناصر حماية الليرة على أدوات السياسة النقدية هو أمر مكلف جدا وخطير جدا.
مكلف لأنه في ظل الجمود الاقتصادي تقوم مقاربة حماية سعر الصرف على جعل الفوائد على الليرة جذابة إلى الحد الأقصى. وهذه السياسة تختار الاستقرار على حساب النشاط الاقتصادي، حيث ينزع أصحاب الأموال إلى العزوف عن الاستثمار في ظل العوائد المجرية على الادخار، وترتفع كلفة الاستثمارات القائمة بما يهدد توازنها الاقتصادي، وهذا يدفع الدورة الاقتصادية إلى الوراء أكثر فأكثر.
وهو خطير لأنه يترافق مع استمرار نمط استهلاك القطاع العام غير المنتج والقطاع الخاص القائمين ب ٨٥% منهما على الاستيراد، وهذا يدفع لتنامي الضغط على ميزان المدفوعات ويهدد بشكل متنام احتياطي النقد الأجنبي.
يتحول النموذج هذا إلى محرك إضافي لسرعة الانزلاق نحو الانهيار الاقتصادي: أزمة اقتصادية، سياسات اقتصادية مفقودة، استقرار سياسي مفقود، ثقة متراجعة، يختصر سعر الفائدة كل السياسات للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، مزيد من التعطل الاقتصادي، مزيد من ارتفاع الفائدة مزيد من اللاتوازن على حافة الهاوية.
لن تكون السياسة النقدية قادرة على حمل الاقتصاد. فلا يمكن لسياسة سعر الفائدة أن يكون لها مفعول ايجابي على المدى غير القصير في ظل ثبات سعر الصرف.
يحتاج لبنان اليوم إلى كل الخيارات السياسية-الاقتصادية التي اجلتها وراكمت مفاعيلها السلبية التوازنات اللبنانية الغارقة في اللاعقلانية الاقتصادية، وبغير ذلك وحده الله يعلم الان إلى أين نحن نسير؟ فليس بالليرة وحدها يحيا لبنان.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى