إقتصاداقتصاد المستقبلمقالات رأيمونيتور الفساد
أخر الأخبار

ليبدأ الإصلاح من الإدارة العامة لشؤون الجرّة!

 نقلت صحيفة الأخبار البيروتية أن ما يسمعه زوار فخامة رئيس الجمهورية منه ان قراءته الاولى لمشروع قانون موازنة 2019 “فيه ثغر. ثمة ما لم يرد، سأقترحه في جلسة قصر بعبدا. العديد الجديد للدولة ليس مدرجاً في مشروع الموازنة. ما دمنا سلكنا طريق المكننة، لن نكون بعد الآن في حاجة الى هذا الجيش من الموظفين. المكننة تصغّر حجم الدولة وتريحها، وتلغي الفساد منها. لن نطرد احداً، بل ننتظر احالتهم على التقاعد ولا يؤتى بسواهم”.

إني أشاطر فخامة الرئيس رأيه في ما خص هذا الجيش من الموظفين في الإدارات العامة الذين تم حشرهم في الكثير من الوظائف التي لا مردود عمليا لها، ولا تؤدي الخدمة المطلوبة للمواطنين، في حين يثقل كاهل الدولة والموازنة بالرواتب والمخصصات والتعويضات ، في وقت تبحث فيه الحكومة اجراءات مؤلمة لتحسين الجباية وترشيد الإنفاق. ويحضرني في هذه المناسبة حكاية من التراث الشعبي، تصف حال بعض الادارات. تقول الحكاية:

يروى أن ملكاً كان يتفقد أرجاء مملكته عندما مر على قرية ووجد أهلها يشربون من الترعة مباشرة، فأمر بوضع زير ( جرة كبيرة واسعة الفم )  ليشربوا منه، ثم مضى ليكمل باقي جولته.

وانفاذا لتعليمات جلالته، أمر كبير الوزراء فوراً بشراء زير ووضعه على جانب الترعة ليشرب منه الناس.

وبعد أن وصلت الجرة الى المكان المخصص له، قال أحد الحاشية: ” هذه الجرة مال عام وعهدة حكومية ! لذلك، لا بد من خفير يقوم بحراسته، وكذلك لا بد من سقاء ليملأه كلما أصبح فارغاً “.

وبما أنه ليس معقولاً أن يبقى خفير واحد وسقاء واحد يعملان طول اليوم وطوال الاسبوع، تم تعيين ثلاثة خفراء وثلاثة سقائين، للعمل بنظام الورديات ( 8 ساعات يومياً لكل حارس ولكل سقاء) لحراسة وملء الجرة.

ثم نهض رجل آخر من حاشي الملك وقال: ” هذه الجرة تحتاج الى حمالة وغطاء وكوز، لذا لا بد من تعيين فنيي صيانة لعمل الحمالة والغطاء والكوز”.

وهنا بادر شاب آخر، خبير متعمق وصاحب نظرة ثاقبة، وقال: ” حسناً! ومن ذا الذي ينظم عمل الجرة ورواتب العاملين فيه؟ لا بد من إنشاء إدارة مالية وتعيين محاسبين فيها ليصرف للعمال رواتبهم”.

ثم جاء بعده من يقول: ” حسناً! ومن ذا الذي يضمن ان العمال المكلفين بالجرة سيعملون بانتظام؟ يجب إنشاء إدارة لشؤون العاملين وعمل دفاتر حضور وانصراف للموظفين”.

ثم أضاف موظف كبير آخر: ” ماذا لو حصلت تجاوزات أو منازعات بين العمال؟ فمن سيفصل بينهم لحسن سير عمل الجرة وسقاية الناس؟ أرى أنه لا بد من إنشاء إدارة شؤون قانونية للتحقيق مع المخالفين والفصل بين المتنازعين”.

وبعد أن تم استحداث كل هذه الإدارات، جاء موظف موقر وصاحب شهادات عليا وخبرات أجنبية وقال :” لا يجوز ترك العمال يتصرفون على هواهم. فمن سيرأس كل هؤلاء؟ إن الامر يتطلب تعيين موظف كبير ليدير العمل والعمال ويرعى مصالح الشعب”.

مرت سنة، وعاد الملك الى تلك القرية في جولته التفقدية  المعتادة، فوجد مبنى ضخماً مضاءً بأنوار كثيرة، تعلوه لافتة كبيرة مكتوب عليها :” الإدارة العامة لشؤون الجرّة“.

ووجد في المبنى غرفاً وقاعات اجتماعات ومكاتب كثيرة، كما وجد رجلاً مهيباً أشيب الشعر، يجلس وراء مكتب كبير وأمامه لافتة كتب عليها :” الأستاذ الدكتور الخبير الدولي  مدير عام شؤون الجرّة“.

فتساءل الملك مندهشاً عن سر هذا المبنى الضخم، وهذه الإدارة الغريبة التي لم يسمع بها من قبل… فأجابته الحاشية الملكية:” يا صاحب الجلالة، هذا المبنى الجديد عو للعناية بمصالح البلاد والعباد لتسيير مرفق عام هام خاص بشؤون الجرّة الذي أمرت به للناس في العام الماضي!”.

ذهب الملك لتفقد الجرّة، فكانت المفاجأة أن وجده فارغاً ومكسوراً وفي داخله ضب ميت، وبجانبه خفير وسقاء نائمين، وبجانبهما لافتة مكتوب عليها :” تبرعوا لإصلاح الجرة، مع تحيات الإدارة العامة لشؤون الجرّة”.

هكذا حال بعض إداراتنا العامة التي تضخمت وترهلت وأرهقت موازنة الدولة، ولم تقدم للمواطنين الخدمة التي أنشئت من أجلها. فإذا كان لا بد من الإصلاح فليبدأ بإعادة النظر بالإدارات العامة لشؤون الجرّة، وما أكثرها في وطني!

 

 

 

اخترنا لكم

إغلاق