إقتصادمقالات رأي

لمواجهة التداعيات الكارثية للاتفاقيات التجارية على الاقتصاد الوطني: هل الحل في المناطق الاقتصادية الخاصة؟

غداة ابرام اتفاقية الشراكة بين لبنان ودول الاتحاد الاوروبي، توقعت وزارة الاقتصاد والتجارة ” زيادة في نسبة الرفاهية للاقتصاد الوطني” وان اتفاقية الشراكة الأورو- متوسطية تتيح ” أمام لبنان الفرصة ليدعم قدراته التصديرية وليوسعها. كما ان الفوائد التي ستعود بها الاتفاقية على لبنان على المديين المتوسط والبعيد، كنقل التكنولوجيا وتوحيد المواصفات الفنية ستساعد على تعزيز القدرة التنافسية للصادرات اللبنانية بما فيها الزراعية منها والصناعية” ( موقع الوزارة على شبكة الانترنت). ولم يكن موقف الوزارة أقل تفاؤلا حين تم ابرام اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية. لكن واقع الحال ، والتداعيات الكارثية التي نجمت عن تطبيق هاتين الاتفاقيتين اللتين اعتمدتا مبدأ التخفيض التدريجي للرسوم الجمركية وصولا حتى الاعفاء النهائي عن بعض أنواع السلع، أظهرت تهافت الآمال التي عقدت على هاتين الاتفاقيتين، فضربت قطاعات الانتاج المحلي عاى اختلافها، واغلق العديد من المصانع وعانى المزارعون من الافلاس والفقر.

كان لتحرير التجارة وفتح الاسواق وعقد الاتفاقيات التجارية بين لبنان وبعض الدول آثار تدميرية على القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية على حد سواء . وقد عمد بعض الدول الذي واجه مثل هذه التحديات، في ظل متطلبات منظمة التجارة العالمية الداعية الى تحرير الاسواق وخفض الرسوم الجمركية الى حد الالغاء وازالة كل انواع الحمائية والعوائق غير الجمركية من امام تدفق البضائع عبر الحدود، الى ابتداع أنماط اقتصادية جديدة تلتف على بعض الضوابط الموضوعة من قبل هذه المنظمة من مثل انشاء المناطق الاقتصادية الخاصة (Special Economic Zone ) ، التي تعرف اختصارا بتسمية (SEZ) ، وهي مناطق جغرافية في دولة ما، تدار ذاتيا من خلال سلطة مستقلة، وتستثنى من تطبيق بعض الاحكام القانونية المحلية الاعتيادية كالضرائب والرسوم الجمركية وحظر الاستثمارات الاجنبية وقوانين العمل والقيود القانونية الاخرى على الاعمال التجارية…
ان الهدف من وراء انشاء مثل هذه المناطق كان اجتذاب الاستثمارات الاجنبية وخلق فرص عمل لتصنيع وانتاج بضائع بأسعار منافسة عالميا، بهدف تصديرها الى الدول الاخرى بشكل يؤمل منه أن يخلق تسارعا في النمو. اذ تقوم الفكرة الاساسية في مشروع كهذا على تحفيز الاستثمارات الاجنبية المباشرة Foreign Direct investments) ( (FDI) وحثها على الدخول الى اراضي الدولة المضيفة عبر منحها جملة من المزايا أهمها المزيد من الاعفاءات الضريبية، مقابل حصول الدولة المضيفة على مزايا هامة منها نقل التكنولوجيا المتطورة ، وزيادة الصادرات ، وتوفير فرص العمل لمواطنيها ، والارتقاء بالخبرات والمهارات الفنية المحلية ، وتنمية المجتمع المدني، وزيادة الدخل القومي من خلال الضرائب وعائدات حق الانتفاع….
لجأت الصين الى هذا الخيار بفعل واقعها السياسي والاقتصادي، وقد عقدت لها راية الريادة في هذا الميدان. فقد اقامت الصين مناطق اقتصادية خاصة منذ عام 1980، بهدف جلب الاستثمارات الاجنبية، دون ان يكون لهذا الامر تأثير مباشر في الاقتصاد والسياسة المحليين، اللذين بقيا تحت سلطة الحزب الشيوعي الحاكم، فضلا عن جلب الخبرات الاجنبية للتعلم منها تقنيا واداريا، وقد شملت المناطق الخاصة الصينية مدنا ومحافظات كاملة.
أما على صعيد التجارب العربية، ذات الاقتصادات المماثلة للاقتصاد اللبناني، فنشير الى صدور قانونين في هذا المجال: القانون رقم 32 لسنة 2000 لانشاء منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة في الاردن، والقانون رقم 83 لسنة 2002 لانشاء المناطق الاقتصادية الخاصة في مصر.
قد يقول قائل ان المناطق الحرة التي كانت معروفة وقائمة في الماضي تفي بالغرض دون اللجوء الى إقامة هذا النوع من المناطق الاقتصادية، غير أنه يستنتج من مراجعة النصوص المنشئة لهذه المناطق ، ان البون شاسع بين هاتين المنطقتين ، وسنظهر في ما سيأتي بعض اوجه الاتفاق والتمايز:
– ان المناطق الاقتصادية الخاصة شبيهة بالمناطق الحرة لناحية عزلها عن الوضع الجمركي وخضوعها للاحكام الواردة في قوانينها الخاصة.
– تتمتع المناطق الاقتصادية الخاصة باعفاءات وامتيازات تزيد عن تلك الممنوحة في المناطق الحرة.
– تخضع المناطق الاقتصادية الخاصة للرقابة الجمركية ، ضمن أصول وإجراءات تحدد ضمن هذا الاطار، بعكس المناطق الحرة التي ينحصر دور الجمارك فيها بمراقبة منافذها لمنع حصول تهريب، او ادخال بضائع محظرادخالها اليها.
– يمكن ان تكون المناطق الاقتصادية الخاصة مدنا نستقلة بذاتها، مسورة، ولها مداخل ومخارج خاصة، ويمارس فيها جميع انشطة الاستثمار والاستهلاك والخدمات، في حين انه يحظر في المناطق الحرة السكن او استهلاك البضائع.
– يمنح المصدرون في المناطق الاقتصادية الخاصة شهادات منشأ محلية لمنتجاتهم، يمكن استخدامها للاستفادة من المعاملة التفضيلية، سندا لاتفاقيات التجارة الدولية، خلافا لما هي الحال عليه في المناطق الحرة لجهة ضرورة ان تحمل المنتجات التي لحقها تحويل او تصنيع فيها، بصورة ظاهرة، ما يشير الى انتاجها في المنطقة الحرة المعنية، وبالتالي لا تفاد من المعاملة التفضيلية.
إن وتيرة انشاء المناطق الاقتصادية الخاصة آخذة بالازدياد. ففي لبنان تم انشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، بموجب القانون رقم 18 الصادر بتاريخ 5 ايلول 2008، وان كان العمل لم ينطلق بها بعد، وثمة مشروع قانون لانشاء منطقة اقتصادية خاصة ثانية في قضاء البترون متخصصة في صناعات المعلومات والتكنولوجيا والاتصالات والنشاطات المرتبطة بها، بحيث أضحى من الواجب إصدار قانون تنظيمي عام يرعى إنشاء مثل هذه المناطق مستقبلا، على غرار ما هو معمول به عالميا، لجهة فتح آفاق ارحب أمام المشاريع الاستثمارية، مع ما يتطلب هذا الامر من مرونة في التشريع واسداء التسهيلات الاضافية للمستثمرين وحق الاستحصال على شهادة منشأ لبنانية للسلع المنتجة فيها، تجيز الاستفادة من الاعفاءات الممنوحة في الاتفاقيات التجارية الدولية، وتعوض بعض الضرر الذي لحق بالقطاعات الانتاجية اللبنانية من جراء الانضمام لهذه الاتفاقيات في ظل اجواء تنافسية معدومة. فهل تكون هذه المناطق خشبة الخلاص للاقتصاد الوطني ولإعادة النهوض من كبوته؟

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى