إقتصادمقالات رأي

لماذا تحولّت فنزويلا من ديمقراطية غنية الى دكتاتورية اشتراكية فاشلة؟

في وقت من الأوقات كانت فنزويلا من أغنى دول أميركا اللاتينية والآن باتت حالة ميؤوس منها. تقلص الاقتصاد بنسبة 50% منذ عام 2013، ونزح 3 ملايين للبلدان المجاورة. تعاني البلد من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية وألأدوية. التضخم المالي وصل الى مستويات شاهقة غير مسبوقة وأقدم ديمقراطية لاتينية تحولت الى جمهورية موز ديكتاتورية.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياط نفطي في العالم ومصادر مياه طبيعية وافرة تصلح للشرب. السبب الرئيس ان البلد تفتقر للغذاء والماء الصالح للشرب والكهرباء هو سياسات هيوغو تشافيز الاشتراكية الفاشلة والتي يطبقها خلفه نيكولاس مادورو.
خصصت صحيفة الصندي تايمز اللندنية ذات النفوذ في عددها الأخير مساحة كبيرة لحياة البذخ والترف التي يعشها نيوكلاس مادورو و12 من مؤيديه في قصره المحصن بينما تعاني البلد من نقص في الغذاء والدواء.

النفط والعقوبات الأميركية
كبقية أعضاء منظمة أوبك تعتمد فنزويلا على النفط الذي يمثل نحو أكثر من 90% من الدخل القومي الذي يعتمد عليه نظام الرئيس نيكولاس مادورو. وتمر فنزويلا في مرحلة اقتصادية صعبة للغاية والاحتجاجات تهدد النظام.
وفي الوقت الراهن، مع انتشار الاحتجاجات في جميع أنحاء فنزويلا إلى جانب الاعتراف الأمريكي بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيساً مؤقتاً، يترقب العالم التطورات بقلق وبات سقوط مادورو مسألة وقت.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات ضد شركة النفط الفنزويلية الحكومية، في مسعى لتضيق الخناق على نظام الرئيس مادورو.
ومن شأن هذا الإعلان أن يضر مصافي التكرير الأمريكية فضلاً عن توجيه ضربة جديدة لصناعة النفط في فنزويلا. وحسب بلومبيرغ كانت أمريكا تستورد نصف مليون برميل يوميا، وهذه الكمية توقفت.
وحوالي 75 في المئة من السيولة أو الدولارات تأتي لفنزويلا من الولايات المتحدة، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 23 مليار دولار 2017، وهذا الرقم مرشح للزيادة إذا استقرت الأوضاع في فنزويلا اذا سقط مادورو.
ويمكن القول ان هيوغو تشافيز رئيس فنزويلا الراحل 1999-2013 دمر الصناعة النفطية الفنزويلية حيث انسحبت غالبية الشركات الأمريكية من فنزويلا أثناء فترة حكمه بسبب سياساته الاشتراكية الفاشلة والإجراءات الشعوبية، وتم إهمال المئات من حقول النفط هناك، وفي حال إزاحة خلفه نيكولاس مادورو وعودة الهدوء والاستقرار وتغير السياسة النفطية هناك، قد تعود الشركات الأمريكية للاستثمار في فنزويلا وثروتها النفطية.
واذا تم رفع العقوبات بعد سقوط نظام مادورو سوف يعود الاستثمار تدريجيا ولكن يجب عدم الافراط في التفاؤل لأن عملية اعادة تأهيل صناعة النفط الفنزويلية قد تستغرق عددا من السنوات قبل ان تعود لما كانت عليه قبل وصول تشافيز للسلطة عام 2007.

إذا سقط مادورو وحل محله غوايدو وهو براغماتي وليس إيديولوجي، ويرسي الاستقرار في البلاد، ستعود الشركات الأمريكية للعمل في فنزويلا، بالتالي إعادة تأهيل الصناعة النفطية، وحتما ستستفيد واشنطن، لأن فنزويلا لديها احتياطي نفطي تعادل السعودية، ولكن المشكلة الكبرى في فنزويلا هي غياب الاستقرار السياسي وتفشي الفساد.

مصافي التكرير الأميركية أكبر مستهلك للنفط الفنزويلي
هناك عددا كبيرا من مصافي التكرير الأمريكية في الولايات الجنوبية التي كانت تعتمد على النفط الفنزويلي، وتبحث الآن عن بدائل من المكسيك وكندا لتلبية حاجتها، ولن تستطيع الحصول على خصم في الأسعار من المصادر الجديدة. وأصدرت الولايات المتحدة الاسبوع الماضي أمراً تنفيذيا يجمد أصول شركة النفط الوطنية الفنزويلية (بي.دي.في.اس.ايه) وحسب هذه الأمر لا تدفع الشركات الأميركية ثمن النفط الا من خلال حسابات خاضعة لسيطرة خوان غوايدو، رئيس البرلمان الفنزويلي الذي أعلن نفسه رئيسا للبلاد، في إجراء للضغط على نيكولاس مادورو للتنحي حسب وكالات الانباء.

وحسب صحيفة الفايننشال تايمز في لندن وتحت عنوان “الولايات المتحدة تشدد التضييق على النفط الفنزويلي” انتعشت أسعار النفط الثقيل بسبب الطلب المتزايد من مصافي التكريرالأميركية. وحدث هذا التطور على خلفية قرار ادارة الرئيس الأميركي ترمب فرض سلسلة من العقوبات على الصناعة النفطية الفنزويلية وبالتحديد على شركة النفط الوطنية الفنزويلية والمعروفة بالاسم المختصر باللغة الانجليزية PDVSA او بي دي في اس ايه.
وفرضت الخزينة الأميركية حظرا على الأفراد والشركات الأميركية من التعامل مع شركة فنزويلا للبترول كوسيلة لممارسة الضغوط على الرئيس الفنزيولي نيوكلاس مادورو.

الانتاج النفطي يتراجع والأزمة تزداد عمقا
مما لا شك فيه ان العقوبات الأميركية ستعطل تدفق النفط الخام من فنزويلا وكما هو معروف عانت الصناعة النفطية الفنزويلية لسنوات طويلة من الاهمال وشح التمويل و عدم الاهتمام بالتطوير والتأهيل بسبب سياسات هيوغو تشافيز الاشتراكية الفاشلة. ووصل الانتاج في ديسمبر الماضي الى 1.1 مليون برميل يوميا حسب مصادر منظمة “أوبك” والتي فنزويلا عضوا فيها. بلغ انتاج فنزويلا اليومي حوالي 2.5 مليون برميل يوميا في بداية العقد. وهبط الانتاج الآن الى 1.1 مليون برميل يوميا اي تقريبا 1% من الانتاج العالمي ولهذا فان التأثير على الأسواق العالمية والأسعار سيكون محدودا جدا. في نهاية المطاف لا تستطيع فنزويلا تصدير 500 الف برميل يوميا للمصافي الأميركية.
ربما تستطيع فنزويلا بيع 200-300 الف برميل لمصافي في آسيا لا سيما الهند وتحاول العثور على زبائن لشراء ما تبقى. وربما تجد فنزويلا اسواق الصين والهند مفتوحة لاستيعاب هذه الكمية ولكن مع اضافة تكلفة النقل وكون الكمية فائضة عن الحاجة قد يجبر فنزويلا على تخفيض الأسعار او منح خصومات على السعر العالمي. وهناك من يعتقد ان تجد بعض الكميات طريقها الى الولايات من خلال شركات وسيطة وسماسرة.
وحسب العقوبات سوف لا يتم دفع ثمن اي نفط فنزويلي يصل الولايات المتحدة الى الحكومة الفنزويلية بل تودع في حساب ضمان احتياطي ليتم اطلاق المبالغ المستحقة بقرار قضائي ولمنع وصولها للحكومة الحالية وهذا الحظر يشمل ايضا شركة سيتغو Citgo وهي شركة تابعة للشركة الفنزويلية الوطنية للنفط والتي لديها مصافي تكريرية في ولاية لويزيانا وتكساس.
وستضطر المصافي الأميركية لشراء حاجتها من النفط كبديل للنفط الفنزويلي من المكسيك من صنف مايا الثقيل والخام الكندي المستخرج من الرمال ولكن المشكلة ان المكسيك لا تستطيع سوى تزويد كميات محدودة من مزيج “المايا الثقيل” وكندا تفتقر الى سعة انابيب كافية لنقلها الى الساحل الجنوبي للولايات المتحدة. وكل هذه البدائل مكلفة للمصافي الأميركية وستقلل من ربحيتها.

وعن تأثير أزمة فنزويلا على أسواق النفط العالمية، سيكون التأثير على أسعار النفط ضئيل جدا، وربما 1 أو 2 في المئة فقط، وذلك لأن السوق العالمي لا يعاني من نقص حاد، والطلب العالمي على النفط لن يرتفع بسبب الحروب التجارية وتباطؤ اقتصاد الصين واسيا.

نهاد اسماعيل
لندن

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى