إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمصارفمقالات رأي

لعنة بنك انترا تطارد الحكومة: هل يعيد التاريخ نفسه؟

في 10 أكتوبر 1966، بدأت الحشود بالتدافع إلى فروع بنك انترا لسحب ودائعهم الامر الذي ادى الى نفاذ الأموال السائلة في أربعة أيام. أما الحكومة اللبنانية، التي اتهمت بالتواطؤ ضد يوسف بيدس فقد مارست ضغوط سياسية على المصرف المركزي وحاكمه فيليب تقلا (استقال من بعدها 1967) كي يرفض إقراض البنك 100 مليون ليرة لبنانية لتغطية هذا الكم الهائل من الطلب المفاجئ على سحب الأموال بالرغم من أن أصول المصرف كانت أكبر بكثير من ودائع العملاء فسقط انترا.

بالرجوع الى الحقبة الممتدة بين عام 1951-1965، فقد حقق البنك نجاحا كبيرا حيث تحول إلى إمبراطورية مالية له فروع في جميع أنحاء لبنان والعديد من البلدان الأخرى بما في ذلك سوريا، والأردن، والعراق، وقطر، وسيراليون، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.

وصلت الميزانية المجمعة لبنك انترا إلى حدود خمسة أضعاف ميزانية الحكومة اللبنانية، واستخدمت 30,000 موظفا ما كان أكثر من عدد العاملين في القطاع العام في ذلك الوقت كما واستأثر المصرف العملاق على 60% من الاقتصاد اللبناني قبل ان يعلن إفلاسه دون اي سابق انذار مسقطا معه الثقة في القطاع المصرفي اللبناني نتيجة الازمة المالية التي عصفت بالاقتصاد وسميت بأزمة بنك انترا.

ان معظم التفسيرات لانهيار بنك انترا تعود الى الخوف الذي انتاب المرجعيات اللبنانية السياسية والمالية الذي هدد بيدس نفوذها وعرشها لذلك، احتشدوا ضده ونشروا شائعات كاذبة طالت الوضع المالي للمصرف،كما وقد مارسوا الضغوطات على بعض العملاء المليئين لسحب ودائعهم مسقطين البنك بالضربة القاضية.

الوضع الراهن وعلامات الاستفهام الكبرى

ان الاستقرار الاقتصادي في اي بلد كان مبني على ثلاث ثوابت هي المحافظة على نسب متدنية من البطالة، استقرار في معدل أسعار السلع والخدمات عبر لجم التضخم واخيرا ليس اخرا السعي في اتجاه نمو اقتصادي مستدام. في هذا الاتجاه تقوم السياسة المالية (من مسؤولية وزارة المالية) كما والسياسة النقدية (عبر المصرف المركزي) بلعب دور منفصل إنما متناغم من خلال الأدوات والتقنيات المالية والاقتصادية المتاحة لتحقيق الهدف الاقتصادي المنشود.

مما لا شك فيه ان كل ما جاء اعلاه هو بالنسبة إلى المواطن اللبناني حلم لا بل وهم وخيال حيث ان الظرف الاقتصادي الراهن الذي يعصف بالبلاد منذ فترة ليست بالقصيرة هو غير اعتيادي وينذر بالقلق الشديد أكان لناحية الوضع المالي والنقدي خاصة وأن وتيرة التراجع الاقتصادي على كافة الصعد هي في تزايد مستمر وتنذر بمفاعيل كرة ثلج قد تصل إلى حجم لن يعد من الممكن بعده السيطرة عليه.

اذا نظرنا الى سياسة الدولة المالية نرى أنها قد استقالت من مهامها الأساسية وعوضا عن لعب دورها كمحرك للاقتصاد من خلال برامج قصيرة وطويلة الأمد عبر الاستثمار في المشاريع الإنمائية والاعمارية تحديدا في البنى التحتية  والتي من شأنها ان تخلق فرص عمل للشباب وتفعيل الاقتصاد، نجد الحكومة مكبلة وقد استسلمت لقدرها وهي الان تتخبط في مستنقع الديون المتراكمة وخدمة الدين العام اضافة الى العجز في الموازنة نتيجة السياسات المالية الخاطئة منذ ما بعد الحرب تحديدا 1992 حتى يومنا هذا أكان عن قصد أو غير قصد.

في المقلب الآخر نجد ان السياسة النقدية هي بافضل حال من السياسة المالية بالرغم من علامات الاستفهام الكثيرة التي تحوم حول قرارات وإجراءات اتخذها المصرف المركزي خلال هذه الحقبة بدأ من قرار تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية على الدولار الأمريكي سنة 1994 (لا يزال ساري المفعول) الى الهندسات المالية سنة 2016 و 2017 التي استفاد منها عدد محدود من المصارف اللبنانية ضمن مجموعة ألفا (المصارف 10 الاول) اضافة الى مستثمرين كبار.

بالعودة إلى بنك انترا, ان القرار السياسي آنذاك بعدم مد المصرف بالسيولة لتلبية سحب المودعين أموالهم قد أدى إلى سقوط المصرف وإعلان إفلاسه بين ليلة وضحاها. حاليا ان حوالي 80% من دين الدولة هو دين محلي و أغلبيته ممول من المصارف التجارية وتحديدا من أموال المودعين واذا نظرنا الى ميزانية القطاع المصرفي عامة نجد ان نسبة مئوية كبيرة من محفظة التسليف لديها هي للدولة اللبنانية مما يجعل من حتمية تمويل اضافي للدولة أمر غير محسوم.

بناء على ما ذكرناه، اعلاه نرى ان وضع الحكومة الحالية مشابه تماما لما كان عليه حال يوسف بيدس حيث ان الاثنين جمعتهما مصيبة واحدة عنوانها طلب السيولة لسد العجز في الميزانية أما الفارق فهو النتيجة  فهل يمكن ان ينتقم القدر لبنك انترا بعد 50 عام وترفض المصارف تمويل الحكومة فتعلن الدولة افلاسها؟

هربا من المسؤولية ونتائجها قرر بيدس، الرجل الذي تمنى شارل ديغول ان يكون فرنسي ليعينه وزيرا للمالية، ان يهرب الى البرازل ومن بعدها الى سويسرا مثواه الاخير. فيا ترى هل سوف نجد من يتحمل مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي ام ان اموال المسؤولين في المصارف السويسرية سوف تجذبهم مغناطيسيا إلى هناك؟

اخترنا لكم

إغلاق