إقتصادالنشرة البريديةمقالات رأي

لعبة المصالح وتسييس الموازنة بين الاصيل والوكيل

 

يمكن تعريف الموازنة بأنها وثيقة وطنية اعتمدها ممثلو الشعب لتخويل الحكومة بجني الايرادات والانفاق والاستدانة خلال فصل زمني محدد. وتمثل الموازنة ابعادا” اوسع من بعدها المالي الجوهري، اذ ان لها وظائف وانعكاسات سياسية واجتماعية وادارية تتحدد بموجب طبيعة السلطة وميزان القوى بداخلها ان بين الفئات السياسية او المناطق او الطوائف او ممثلوا المصالح الاقتصادية المختلفة.

وفي بحث بعنوان ماذا خلف الموازنة؟ يلاحظ اندي نورتون انه  لا ينبغي الافتراض تلقائيًا أن المخصصات تترجم بدقة إلى نتائج الموازنة. ما الذي يتم إنفاقه فعليًا على يد من، وعلى أي بنود ولأي غرض يتم تحديده أثناء عملية تنفيذ الموازنة. وهذا يوسع مجال الاهتمام بين السلطة التشريعية ووزارات المالية والوزارات والادارات المتخصصة بالإنفاق في السلسلة التي تعمل فيها الوزارات التنفيذية والحكومات المحلية، حيث يمارس البيروقراطيون السلطة التقديرية في تخصيص الموارد واستخدامها طوال دورة الموازنة وعلى كل مستوى بدءًا من “حكومة” المركز الأعلى وحتى نهاية الاتصال المباشر مع مستخدمي الخدمة والمواطنين عامة.

ولا يمكن فهم علاقة “المنفق” بالانفاق دون العودة الى نظرية الوكالة  Agency Theory وهي النظرية التي طورها علم الادارة وخاصة ابحاث حَوكَمَة الشركات والتي تفسر العلاقة بين جمهور مالكي الشركات وبين مجتمع المدراء، حيث تستند النظرية الى تضارب المصالح بين المالكين (الاصيل) والمدراء (الوكيل). فصحيح ان هؤلاء المدراء قد تم اختيارهم من اجل تعظيم ثروة الشركاء وخدمة مصالحهم على افضل وجه، ولكن هؤلاء المدراء لا يمكنهم “الاخلاص” لمصالح الشركاء دون تأمين مصالحهم الخاصة وديمومة مراكزهم.

تعمل الامور في التمثيل السياسي وادارة شؤون الدولة على نحو شبيه لكن اكثر خطورة. ففي الشركات يعمل المشرع بالتوافق مع حاجة النظام الاقتصادي لحفظ حقوق حاملي الاسهم وضمان منع المدراء من اي عمل غير شفاف او يخالف المصالح الرئيسية للمالكين، لكن هذا الامر غير مضمون دائما” في السياسة والادارة العامة.

ويقول زافيير كاستانرانه في هذا المجال (مجال علاقة الوكيل بالاصيل) يمكن للسياسيين المنتخبين أن يكونوا انتهازيين ، كما يظهر التاريخ والأحداث الجارية في العديد من التجارب.

وتقوم علاقة الوكالة ضمن ثلاث مستويات كما يشير بزرورسكي: بين الدولة والجهات الاقتصادية الخاصة؛ بين المواطنين والسياسيين؛ وبين السياسيين والجهاز العام، أي البيروقراطية الادارية…جهاز الموظفين.

ان اكثر ما يعبر عن هذه المستويات الثلاثة هي الموازنة، وذلك على الرغم من ان الموازنات معطرة بكلمات تنتقى من معجم الاخلاق السياسية والأقتصادية بعناية (واحيانا” بدون عناية): مصلحة الوطن، مصلحة النمو الاقتصادي، مصلحة المواطنين، خطر الانهيار، مصداقية الدولة، الانماء المتوازن…الى اخر اقسام المعجم.

ان تسييس الموازنة والمصالح الكامنة خلفها لا يمكن اخفائها حتى حين تكون هذه الموازنة شديدة التقشف. فكلمات مثل اجراءات موجعة ومؤلمة تراعي ايضا” توزّع هذه المصالح كما توزّع موازين القوى بين الكتل الخمسة المذكورة أعلاه.

ان تسييس الموازنة هو مظهر طبيعي من مظاهر نظرية الوكيل – الاصيل، ومخطئ من يظن ان الحكومات يمكن ان تكون محايدة مهما بلغت درجة الشفافية السياسية. الموازنة تحمي مصالح وتسقط مصالح للاسف حتى في اعرق الديمقراطيات، فما بالكم في الدول التي يغيّب فيها الشعب حقه بالمساءلة طوعا” او اكراها””؟

اخترنا لكم

إغلاق