إقتصادمقالات رأي

لبنان… و تسونامي Black Friday

أخيرا انتهى يوم الجمعة الأسود (بلاك فرايداي) او بالحري الاسبوع الاسود، بعد التمديد له لأيام، بما يرضي محبي التبضع والزبائن المتعطشة للتسوق بعد أن أثبت نفسه على أنه الحدث الأكثر رواجا في لبنان بعيداً عن الوضع الاقتصادي المترنح والسياسي المتأزم.

وكان قد سبق أن انتشرت لا بل اجتاحت الاعلانات واللوحات الدعائية كافة المناطق اللبنانية بهدف دغدغة مشاعر المستهلك اللبناني وحثه على المبادرة الى شراء السلع والأدوات وحتى الخدمات بأرخص الأسعار. وقد جاء تدني الحد الأدنى للأجور اضافة الى الاسعار المرتفعة في بلدنا مقارنة مع دول الجوار وحتى الغربية منها كمفاجئة ترحيب إضافية إلى المستهلك اللبناني فردا كان أو أسرة لكي يدفع به الى التوجه إلى المخازن والتسوق.

بالعودة إلى جوهر هذه المناسبة، فإن البلاك فرايداي هو اسم غير رسمي ليوم الجمعة بعد عيد الشكر في الولايات المتحدة، الذي يحتفل به يوم الخميس الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر. وقد يعتبر يوم الجمعة الأسود كبداية موسم التسوق لعيد الميلاد في أميركا منذ عام 1952، على الرغم من أن مصطلح “الجمعة السوداء” لم يكن يستخدم على نطاق واسع حتى العقود الأخيرة.

لقد قادتني غريزتي المهنية ان ابحث ولو قليلا عن مفهومنا اللبناني لتسونامي البلاك فرايداي والنمط الاستهلاكي في مقابل الحسومات المغرية على الأسعار. من المؤكد انه عندنا في لبنان مصطلح البلاك فرايداي له معنى مختلف بحيث انه يتعلق الأمر بالقوة الشرائية للمستهلك اللبناني علما أن الوضع الاقتصادي لا يساعد كثيرا من الأحيان الزبائن المحتملين بالقيام بعملياتهم الشرائية.

عندما يبادر المستهلك للتسوق في هذا اليوم بالذات فمرده التراجع في القوة الشرائية والذي يعود إلى انخفاض الدخل الشهري في عمل الزوج او الزوجة او باجمال قيمة المحفظة المالية الشهرية للاسرة، لذا يقتنص المستهلك الفرصة المؤاتية لمحاولة توفير المال طبعا دون المساومة على متعة التسوق.

من منطلق البحث ليس الا وفي اطار اظهار الصورة الحقيقية للرأي العام اللبناني لمفهوم البلاك فرايداي، بادرت الى التداول مع المتسوقين في بعض المتاجر التي زرتها خلال هذه الفترة وعدت بآراء ملفتة ومتضاربة يجب التوقف عندها.

احدى النساء اللبنانيات والتي كانت من بين الأوائل الذين ذهبوا إلى التسوق من أجل شراء ملابس بأسعار مخفضة لأطفالها قالت انها قد صدمت لرؤية تلاعب المحلات التجارية بمفهوم البلاك فرايداي والتلاعب على الزبائن عبر تخفيض أسعار بعض المنتجات المحددة فقط دون سواها، مع الاحتفاظ بأسعار عادية على البضائع والسلع المتبقية.

في نفس السياق، استغربت سيدة لبنانية اميركية الفرق الشاسع بين الحسومات المعلن عنها عبر الاعلانات التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي من جهة وأسعار البضائع المعروضة للزبائن من جهة أخرى. على سبيل المثال فإن بعض المتاجر قد أعلنت عن حسومات تصل الى 70 في المائة في حين أن الواقع يشير إلى حسومات لا تتعدى 20 في المائة. ومن الملفت ان هكذا افعال في حال حصولها في الولايات المتحدة قد تؤدي الى اقفال المتجر من قبل السلطات المعنية بسبب الغش وحماية المستهلك.

من وجهة نظر التجار، صرح صاحب إحدى أفضل المحلات التجارية في وسط العاصمة أن الأسواق في بيروت لم تظهر إشارات تداول غير عادية على الرغم من أن “جمعية تجار بيروت” اوصت ان يمتد البلاك فرايداي لفترة ثلاثة أيام في محاولة لجذب أكبر عدد من المتسوقين. وبالإضافة إلى ذلك تزامن المناسبة مع نهاية  الشهر حيث ان معظم الاسر انفقت رواتبها الشهرية على الطعام والشراب والإيجار والمدرسة ورسوم جميع الأولويات دون ترك الكثير مما ينفق على الكماليات.

وفي المقلب الآخر، أبدى أحد العملاء في واحدة من أكبر المجمعات التجارية في وسط المدينة أنه لا يمكن أن تكون  الخصومات عالية كما هي الحال في الولايات المتحدة لعدة اسباب اهمها الفرق الشاسع في حجم وهيكلية الاقتصاد الأمريكي كما والأسواق والعملاء.

بعد كل ما تقدم أصبح جليا أن الانخفاض في قيمة الفاتورة التسوقية يعكس قلق الشعب من الوضع السياسي  والاقتصادي والاجتماعي اضافة الى الكباش الحاصل بين أهل السياسة المرتبطة بعدم تشكيل حكومة قد زاد من القلق عند الناس وترجم بالامتناع عن إجراء عمليات الشراء وسط هذا الوضع الغامض.

بالعودة الى الارقام، تشير إحصاءات العام الحالي إلى انخفاض النشاط الاقتصادي بنسبة 25 في المائة، في القطاع التجاري كما وأنه في فترة الشهرين الأخيرين تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر من السنة تتميز بالعديد من الأعياد والمناسبات مما يجعلها تمثل 30 في المائة من النشاط الاقتصادي في لبنان.

أن أكثر من 35 في المئة الشعب اللبناني هم من الفقراء، في حين أن الطبقة المتوسطة لا تتجاوز 40 في المائة من السكان، وتمثل 25 في المائة من الأسر الثرية.

يبدو أن الأزمة السياسية قد خلقت الركود الاقتصادي وأرسلت حوالي 3000 من مؤسسة إلى الإفلاس بحسب رئيس غرفة الصناعة و التجارة محمد شقير، مما أدى إلى خلل في الوضع الاقتصادي والمالي لحوالي 75 في المئة من اللبنانيين.  ومن المتوقع أن تشكيل حكومة جديدة سوف يؤدي إلى تنفيذ الإصلاحات لناحية وقف الهدر والحد من الفساد المستشري في الإدارات كما وإعطاء الزخم اللازم للاقتصاد من خلال مقررات مؤتمر سيدر.

 

 

 

 

 

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى