اخترنا لكمالنشرة البريديةدولياتمقالات رأي

لبنان وآيسلندا:… المقاربة البعيدة!

آيسلندا هذه الجزيرة الصغيرة في شمال المحيط الأطلسي والتي يبلغ عدد سكانها 320,000 نسمة ومساحتها الكلية 103,000 كلم2، تمكنت من إعطاء باقي دول العالم دروساً في كيفية إدارة الأزمة المالية التي أصابتها بين عامي 2008 و 2011. فهذه الجزيرة التي غردت خارج السرب السياسي والإقتصادي الشائع عالمياً إستطاعت بحكمة القيمين على معالجة الأزمة أن تخرج من عنق الزجاجة لأنها قررت أن تُنقذ أموال الناس وليس أموال المصارف، فضلاً عن قرارها الحاسم بالمحاسبة وتغيير السياسيين وليس فقط السياسات.

لبنان وآيسلندا يتشابهان في أمور كثيرة فيما خص الأزمة المالية التي إجتاحتهما، ففي كلا البلدين طالت الخسائر ودائع مصرفية فاقت قيمتها ال 100 مليار دولار أميركي، وهو ما يقارب الخمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في كلا البلدين، إضافة إلى عدم قدرة الدولتين على سداد الديون مع عجز المصارف عن الإلتزام بتسديد الودائع. ولكن للأسف فإن الفرق شاسع جداً في كيفية معالجة الأزمة في كلتا الدولتين.

في آيسلندا:
رفضت آيسلندا بدايةً التوصيات الجاهزة لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فقررت أن تضمن ودائع الناس بدلاً من إنقاذ البنوك المعرضة للإفلاس. هذا الأمر وضعها أمام تهديدات إقتصادية مباشرة بعدم إعطائها قروضاً وبمطالبتها بديونها المستحقة فوراً من قبل كل من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وعمدت إلى إتخاذ الخطوات التالية:
– بعد أقل من ثلاثة أسابيع من إندلاع الأزمة، قامت آيسلندا بفتح تحقيق قضائي فوري مع تعيين محقق قضائي أُعطيت له جميع الصلاحيات لقيادة هذا التحقيق بهدف التوصل إلى تحديد التجاوزات والإرتكابات والمسؤوليات التي أدت الى حصول ما حصل.
– إقرار قانون Capital Control حيث تم ضبط السحوبات والتحويلات إلى الخارج.
– رفع السرية المصرفية بالمطلق بالتوازي مع إقرار تشريعات مصرفية جديدة.
– تم تجنيد ما يقارب الـعشرين ألف شخص للقيام بمهمة البحث والتدقيق في أسباب ما جرى، وهو ما وصفته إحدى المجلات الفرنسية بضرب من ضروب الخيال الذي لا يمكن تخيل حصوله أبداً في عالم الواقع.
– الإستعانة بخبراء دوليين للمشاركة في عمليات البحث والتدقيق وصولاً إلى تحديد الإرتكابات والمسؤوليات حيث شملت هذه المهمة كل من: المسؤولين الحكوميين، القيمين على إدارة المصرف المركزي، لجنة الرقابة على المصارف، رؤساء مجالس إدارة المصارف، كبار المساهمين والمدراء التنفيذيين ومفوضي المراقبة وغيرهم ممن لهم علاقة مباشرة أوغير مباشرة بالأشخاص الآنفي الذكر (محامين، محاسبين، مدققي حسابات، أخصائيي عمليات الكترونية….).
– ترشيد الإستيراد بهدف المحافظة على العملات الصعبة.
– إصلاح مالي مبني على ملاحقة مكامن الهدر المختلفة في البلاد بهدف ترشيد الإنفاق وزيادة إيرادات الخزينة.
– فتح تحقيق برلماني بعد تعيين لجنة تحقيق برلمانية لهذه الغاية هدفها الوصول إلى مسببات الأزمة كما وتحديد الإرتكابات والمسؤوليات.

بعد حوالي السنتين تم الإنتهاء من إعداد تقرير أولي سُمي “الحقيقة” (La Vérité) وهو تقرير مفصل يتألف من حوالي 2000 صفحة، تضمن أسباب ونتائج الأزمة مع تحديد الإرتكابات وأسماء المسؤولين عن وقوع هذه الأزمة. هذا التقرير تم إيصاله إلى العموم ليكونوا على إطلاع على مضمونه وذلك بكافة الطرق المتاحة عبر نشره على الإنترنت، وتوزيعه على كافة المكتبات، إضافة إلى تخصيص حلقات لمناقشته عبر وسائل الإعلام المرئي والمسموع. تضمن هذا التقرير أسماء مسؤولين حكوميين كبار أُعتبروا مسؤولين مباشرة عن هذه الأزمة وهم:
– رئيس الحكومة
– حاكم المصرف المركزي الذي تم إبعاده هو ونائبيه الإثنين من مناصبهم
– وزير المالية
– وزير المصارف
– رئيس لجنة الرقابة على المصارف

كذلك أشار التقرير إلى أسماء العديد من المسؤولين عن الأزمة من مصرفيين (أعضاء مجالس إدارة ومدراء مصارف) ومسؤولين رسميين صدرت بحقهم عقوبات مختلفة وصلت إلى مصادرة ممتلكاتهم. كما تم تأميم مصارف كبيرة بعدما ثبت تورط أصحابها في نشوء الأزمة وهو ما ساهم في إعادة الثقة في القطاع المصرفي، وأخيراً تم رد الودائع كاملة لجميع المودعين بعد إصدار قانون يحفظها ويُنظم سدادها وفق جدول زمني معقول. وبالتوازي، لم تنزلق الحكومة إلى إتباع حلول إقتصادية ذات مخاطر إجتماعية عالية، بل قدمت الدعم للفئات المهمشة وراهنت على تحسين الإقتصاد عبر رفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وكانت المفاجأة التي أذهلت الجميع حيث نجحت الحكومة وفي غضون سنوات قليلة بالحد من الإنكماش الإقتصادي والعودة للنمو السريع.

أما في لبنان،
فبعد مرور أكثر من سنتين ونصف على بدء الأزمة التي إستفحلت في إقتصاد البلاد وصنفها البنك الدولي من بين أكبر ثلاث أزمات مالية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم تبادر القوى السياسية المتحكمة بالبلاد إلى وضع خارطة طريق وحلول عملية ومنطقية تؤدي إلى إيقاف الإنهيار، فلا تحقيق برلماني فُتح، ولا تحقيق قضائي، لا بل ولم يتوصل البرلمان حتى الآن إلى إقرار قانون Capital Control يساهم في تنظيم ما تبقى من ودائع، كما لم تُرفع السرية المصرفية الكاملة لتسهيل عملية التدقيق وعلى الأخص التدقيق الجنائي، مع إستخدام أساليب مماطلة مختلفة في كل مرة. فالمسؤولون عن حدوث الأزمة هم ذاتهم من يعالجون ذيولها بذات العقلية والسياسة العقيمة التي ساهمت في تفكك وإنهيار الركائز الأساسية للإقتصاد. ويتجلى ذلك واضحاً في إنهيار الخدمات العامة الأساسية، وإستمرار التراشق السياسي، ونزيف رأس المال البشري وهجرة الكفاءات، وإستمرار الطبقة الفقيرة والمتوسطة بتحمل العبء الأكبر للأزمة.

وقد أشار عدد خريف 2021 من تقرير البنك الدولي المعنون “المرصد الإقتصادي للبنان: الإنكار الكبير” إلى أن “الكساد المتعمد في لبنان هو من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الإقتصادية”.

فهل هناك من نية حقيقية للحل؟ هل المطلوب بالنسبة لهذه النخبة هو تحميل المواطنين والمودعين جميع الخسائر؟ هل سيقومون بإصدار التشريعات التي تُغطي مسؤولياتهم وإرتكاباتهم السابقة واللاحقة؟ هل سيتم المس بثرواتهم المجمعة من خيرات وودائع ومدخرات اللبنانيين؟ هل من المعقول أن من يُدير أزمتنا اليوم هو نفسه من إفتعلها؟؟؟

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى