إقتصادمقالات رأي

بعيدا” عن التنجيم: الشعب والمواطنة واختبار العام الصعب.

من التظاهرات التي تحركت في بيروت في الشهر الأخير من السنة إلى احتفال رأس السنة في ساحة النجمة يرتسم مشهد معبر لشعب يتوسل الحياة في عز التشاؤم والضغوطات الاقتصادية وزحف البطالة. بل في ظل تويتات أوراق النعوة التي نقرأها كل يوم.

لعل القاسم المشترك بين التجمعين هو أنهم ربما نفس الصبايا والشباب الذين اجتمعوا متظاهرين قد اجتمعوا محتفلين. انه الخوف الذي يمتزج بالفرح لدى شعب غلبته تناقضات السياسة كما تناقضاته الخاصة. 

من السترات الصفر إلى احتفالات الشانزيليزيه مزيج حضر في الشهر الأخير في بيروت (ولنلاحظ أن أكثر السياسيين كرها للنموذج الغربي يستشهدون بالمقاومة الفرنسية حين تدعو الحاجة). 

التناقضات الخاصة بالنموذج اللبناني تجعلنا مختلفين في الجوهر عن فرنسا، اختلاف أصله ذلك التغريب الملتبس بالانشداد العميق إلى الجذور الطائفية للمجتمع. 

التباس أعمق يؤول إلى اعتبار أن بعض طوائف لبنان هي طوائف متغربة وبعضها الآخر شرقي عربي بطبعه. وقد يصح ذلك احيانا” في الشكل، لكن الحروب التي خبرناها تثبت، لمن لا يحب تطنيش الذاكرة، أن العنف اللانساني (والتعبير مهذب جدا”) هو سمة مشتركة أساسية بين اللبنانيين. 

عام ٢٠١٩، وبدون أوراق نعوة، سيكون عاما” غير سهل: التضخم، البطالة، أزمة الإسكان، ارتفاع أسعار الفائدة، تراجع مستوى الدخل وثقل مفعول الضرائب أمور لا يمكن عكس اتجاهها بسهولة، وفي أفضل ظروف السياسة والاقتصاد، تحتاج إلى مدى زمني غير قصير لمعالجتها. 

لذلك قد ينزع عام ٢٠١٩، وما لم يجد البلد طريقا ما لإدارة فعالة لتناقضاته الكثيرة، إلى توترات في الشارع معبر عنها بالتظاهر وأشكال مختلفة من ردات الفعل العفوية… وغير العفوية. 

ولنفرق هنا بين مشروعية غضب الناس والمنحى الذي يمكن أن تأخذه الأمور في الشارع. بين السترات الصفر والمشاريع التي تنسج خلف الستائر. بين توقنا للعدالة الاجتماعية والديمقراطية وعمق انتمائنا لهواجسنا الطائفية. 

لنتذكر قليلا” أن كل التوترات غير المدنية (والتعبير أيضا” مهذب) في لبنان قد بدأت بتظاهرات معظم من كان فيها كان يتحرك بدافع سلمي نظيف. 

لنعترف بمرارة: نحن شعب لم نتفق بعد اننا مواطنون، ولو كان خلف هذا الاعتراف حزن كبير.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى