إقتصادمقالات رأي

كتاب الى سعادة أمين عام جامعة الدول العربية: فلتكن القمة “للملمة” الوضع الاقتصادي العربي

بعد انقضاء ستة أعوام على انعقاد “القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية” في المملكة العربية السعودية عام 2013، أعقبت قمتين في كل من الكويت عام 2009 وفي مصر عام 2011، ها هي القمة الاقتصادية العربية تحط رحالها في العاصمة اللبنانية بيروت في 20 يناير/كانون الثاني 2019. ست سنوات من عمر الوطن العربي وعمر الشعوب العربية شهدت تحولات كبيرة في السياسة كما في الاقتصاد، شهدت عشرات الآلاف من الشهداء والمهجرين والمفقودين، كما شهدت غياب قادة دول، منهم من غادر قسرا، ومنهم من رحل الى جوار ربه يحدوه الأمل في أن يحقق خلفه ما سعى اليه في حياته.

يقول الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في إحدى الجلسات السابقة لأعمال القمة العربية المزمعة: ” لقد حققت مسيرة التنمية في عدد ملموس من الدول العربية تقدما ملموسا في مواجهة الكثير من التحديات الإنمائية في مجالات حيوية كالتعليم والصحة ومكافحة الفساد…” ليستدرك لاحقاً بأن التحديات الجسام قد أعاقت تحيق الكثير من الإنجازات. بصريح العبارة، انه كلام انشائي وتعبوي واعلامي جميل، وكان من المفترض أن يقال هكذا كلام كتمهيد صريح “لنجاح متوقع” لقمة متوقعة، وحفظاً لماء الوجه للقمم السابقة. ولكنه كلام خطير صدر عن مسؤول عربي كبير قيل أمام الشباب العربي في الجلسة الافتتاحية لأعمال ” منتدى المجتمع المدني والشباب العربي”، يضع فيه بعض النقاط على بعض الحروف ويستثني أخرى، كلام يبدوا وكأنه قيل على لسان شخص آت الينا من كوكب آخر.

ثلاثة مجالات عددها المسؤول العربي الكبير هي في حال من سيء الى أسوأ. أين هو وضع التعليم والصحة ومكافحة الفقر ألأفضل حالاً وفي اية دول؟ في مصر، في ليبيا، في السودان، في اليمن، في العراق، في سوريا، أم في بلاد الأرز؟ هل سأل سعادته صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو مؤسسات البحوث المحلية والأجنبية عن المؤشرات الاقتصادية أو مؤشرات التنمية البشرية والاجتماعية في تلك الدول وغيرها؟ هل كلف مستشاريه بإعداد التقارير المفصلة عن واقع الدول العربية من أقصاها الى أقصاها – وهو المندوب الأمين- قبل تشريفه العاصمة الصامدة بيروت لافتتاح المؤتمر وادارته؟

لم نتطرق بعد الى آفة الاقتصادات والمجتمعات العربية، الا وهي بطالة الشبات وهجرة الادمغة، لم نتكلم عن مؤشرات الفساد وترتيب الدول العربية في أسفل سلم الترتيب العالمي، لم نتكلم ايضاً عن مؤشرات التنافسية والحرية الاقتصادية والتطور التقني ومناخ الاعمال. لم نتكلم بعد عن العجوزات المالية الهائلة في موازنات الدول وحتى النفطية الغنية منها، ولا عن الديون السيادية وخدمتها التي تستنزف أكثرية إيرادات الدول. عن ماذا وعن أي موضوع نتكلم بعد يا سعادة الأمين العام؟ هل نظرت الى أطفال اليمن السعيد والمجاعة التي تطرق كل باب ولا توفر حتى أفواه الأطفال؟ هل تمعنت في أعداد المهجرين العرب داخل أوطانهم وخارجه في مخيمات الأردن وتركيا ولبنان وما تعانيه هذه الدول من ضغوط على جميع الأصعدة، هل تدرك حجم التصدع والتشظي السياسي العربي والخلافات العربية المستحكمة والمستفحلة؟ من يمثل اليمن في القمة، من يمثل ليبيا وسوريا؟ أنكتفي بهذا القدر من الوصف المؤلم؟

إن بحثكم في موضوع التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية كمن يبحث عن ابرة في كومة قش. قد يكون من الأجدى، وقبل البحث في التنمية، أن تبحثوا في معوقاتها ومسبباتها. ابحثوا في السياسة قبل الاقتصاد، في التوافق العربي قبل لقمة العيش، ابحثوا في حل الخلافات العربية قبل توزيع الرغيف المغمس بالدم على الشعوب. السياسة تأتي قبل الاقتصاد، فالأوطان المستقرة والآمنة تحمي مواطنيها وشعوبها وكراماتهم. لا يوجد اقتصاد ولا تنمية إذا لم يكن هناك استقراراً سياسيا وأمنيا سليماً وصحياً، ثم عالجوا التخلف العربي في كل مجالاته بدأً من التعليم وانتهاءً بالتعليم.

جاهدوا يا سيادة الأمين العام على لملمة الوضع العربي بكل شؤونه وشجونه وحصنوه من الداخل، وبعد ذلك تأتي التنمية ويأتي النمو الاقتصادي والاجتماعي. حافظوا على ما تبقى من شباب وأدمغة عربية وطاقات لا تعد ولا تحصى أصبحت منفية إما طوعاً أو قسراً. ومن هنا نقترح أن يكون اسم القمة ليس “القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية ” ولكن ” قمة لملمة الوضع الاقتصادي العربي”، قمة إعادة الاقتصاد العربي- على الأقل – الى الوضع الذي كان عليه قبل القمة الأولى عام 2009.


اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى