إقتصاداخترنا لكماقتصاد المستقبلمقالات رأي

فينيكس: العملة العالمية الجديدة… والعد العكسي!

إصدار العملة العالمية الجديدة اصبح امرا واقعا وسرعان ما قد يفرض نمط جديد للتعاقد الاجتماعي

من المؤكد ان فكرة العملة العالمية ليست بنظرية جديدة. منذ 30 عاما صدرت مجلة ايكونومست الامريكية بغلاف لا بد انه قد أثار الدهشة لدى معظم القراء لا بل وصل إلى ان يشكل صدمة للرأي العام سنة 1988 حيث ظهر على الغلاف صورة لطائر الفينيق مذهب وقد داس على جميع العملات وقد اظهر ايضا العملة المعدنية العالمية الجديدة.

ويقول المقال “ثلاثين عاماً من الآن ان الأمريكيين واليابانيين والأوروبيين والناس في العديد من البلدان المتقدمة الأخرى، وبعض البلدان الفقيرة نسبيا سوف تدفع بنفس العملة للتسوق. ان الأسعار سوف تكون لا بالدولار الأمريكي أو بالين الياباني أو اي عملة اخرى ولكن، دعنا نقول، بالعملة الجديدة “الفينيكس”.

في الواقع،لقد كان الإيكونومست الأسطوري جون ماينارد كينز من اوائل المؤيدين لفكرة العملة الموحدة وقد جاء بعده عدد ملفت من الاقتصاديين الذين تبنوا هذه الجدلية ومن بينهم ريتشارد كوبر من جامعة هارفارد الذي اقترح عملة عالمية واحدة تستعمل في الشؤون الخارجية وذلك في العام 1984

أيضا في هذا السياق كشفت الصحافة عن حديث خاص لوزير الخزانة الأمريكي تيموثي جيثنر في آذار/مارس من عام 2009، أنه “منفتحا تماما” لفكرة المضي قدما نحو إصدار عملة عالمية موحدة يديرها “صندوق النقد الدولي” على الرغم من أن الكثيرين حينها فوجئوا بهذا الإعلان غير العادي.

أما الرئيس التنفيذي لشركة تويتر جاك دورسي فقد أدلى ببيان جريء قائلا ان البيتكوين سوف تصبح في نهاية المطاف العملة العالمية وأنه مما لا شك فيه ان الحكومات كانت تعمل خلف الكواليس لإنشاء ما يشبه ما قد يمكن رؤيته الآن بالعملة المشفرة.

السؤال الآن ليس ما إذا كان من الواقعي والمنطقي أن يتحول العالم الى التعامل بالعملة الجديدة في أي وقت في المستقبل القريب إنما السؤال هو من هي يا ترى العملة المشفرة التي سوف ترتفع من رماد العملات التقليدية الحالية لتصبح ” الفينيكس” المنتظر؟

أين هو فينيكس الان؟

لا احد يمكنه الاجابة على هذا التساؤل حتى الآن، لكنه في نفس الوقت كانت سنة 2018 السنة الموعودة ومن قبيل الصدفة أم لا حدث أن تكون سنة انطلاقة ونمو العملة المشفرة. من الملفت ايضا ان لقاء “توافق نيويورك” سنة 2018 ،وهو مجتمع متنامي ،عقد بحضور لافت تخطى عتبة 8000 شخصية مقارنة بالحضور سنة 2017 الذي لم يتجاوز 2,700 شخصية عالمية وهذا ليس إلا بدلالة على الاهمية الاقتصادية للعملة العالمية المشفرة.

كثيرة هي أوجه التشابه عند المقارنة بين “فينيكس” و”البيتكوين”. من المتوقع ان يبدأ الفينيكس كمزيج من العملات الوطنية تماما مثل “حق السحب الخاص”. ومع مرور الوقت فلن تعود قيمته مقابل العملات الوطنية  لها من اهمية لأنه سوف يكسب ثقة المواطنين الذين سوف يختارون التعامل به نتيجة السهولة في التداول والاستقرار في قوته الشرائية.

المزايا الاقتصادية للعملة العالمية الواحدة

ان مزايا العملة العالمية الواحدة هي كما يلي: أولاً وقبل كل شيء سوف يتم القضاء على تكاليف المعاملات والمتعلقة بأسعار الصرف المرتبطة بالعمليات المالية الدولية. على سبيل المثال، قدرت اللجنة الأوروبية أن استعمال عملة موحدة عبر الاتحاد الأوروبي ادى الى توفير 13 إلى 20 مليار يورو سنويا. علاوة على ذلك ان حاجز العملات المختلفة سوف يختفي مما يؤدي إلى زيادة في عدد المعاملات الدولية نتيجة لكثرة التجارة العالمية.

ايضا ان اعتماد العملة الموحدة العالمية سيوفر 400 مليار دولار أمريكي سنوياً من تكاليف المعاملات في العملات الأجنبية التي تأتي نتيجة تداول 3.8 تريليون دولار أمريكي كل يوم.

الحد من التلاعب بالعملة من قبل البنك المركزي عبر زيادة أو إنقاص قيمة العملة الوطنية مقابل عملات أخرى لأغراض مختلفة. ان الحالات الأكثر شيوعا من التلاعب بالعملة هي من قبل الصين واليابان. اضف الى لجم المضاربة من جراء اعتماد عملة عالمية موحدة وهنا لا يسعنا الا ان نستذكر هجوم المضاربة على “الكرون السويدي” في عام 1992.

عيوب العملة العالمية الموحدة

أن الجانب الأكثر سلبية هو أن البلدان سوف تفقد القدرة على التحكم في سياساتها المالية. حتى مع “العملات العالمية” سوف تفقد البلدان المرونة في سياساتها النقدية. ومن العيوب الأخرى هي المتصلة بالفروقات بين اقتصادات البلدان المختلفة بينما هناك عدد قليل من الدول المتقدمة ذات الاقتصادات القوية ونجد في المقابل أن البقية هي ذات اقتصادات ضعيفة.

يبقى السؤال الاساس: هل ان العملة العالمية قابلة للتنفيذ؟

ان ألاسباب الكامنة وراء عدم تنفيذ هذا النظام هي اجتماعية وسياسية أكثر مما هي اقتصادية. أن العقبة الأولى هي الهوية الوطنية. تعتبر معظم الدول عملاتها رمزاً وطنيا، مساوية للعلم والنشيد الوطني.  كما ينبغي أخذ الحواجز الجيوسياسية في الحسبان. على سبيل المثال، من الصعب تخيل كيف ان الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وإيران وفنزويلا وروسيا، أن تتفاوض من أجل قبول عملة موحدة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك قضايا ستكون إشكالية مثل توريد وطباعة العملة العالمية  كما كيفية إنشاء بنك مركزي مستقل حيث سيكون الخلاف الأول داخل البلدان حول مركز المصرف المركزي. أن كل عضو في الاتحاد النقدي العالمي سوف يعمد الى محاولة سحب البطانية الى جانبه للحصول على تأثير أكبر على البنك المركزي، وبالتالي السياسة النقدية العالمية.

في الختام ان العالم المتقدم أطلق رؤية اقتصادية منذ 30 سنة تحاكي امكانية التوصل الى عملة موحدة تجمع الدول من مشرقها الى مغربها أما السياسيون في لبنان فلا يزالون يدرسون أجناس وابواب موازنة 2019 منذ أكثر من نصف سنة  ولم يفلحوا فهل سوف تلد اخيرا الموازنة في شهرها التاسع. والسلام

اخترنا لكم

إغلاق