اقتصاد الطاقةالنشرة البريديةمقالات رأي

فيروس الكورونا يهز الاقتصاد العالمي فهل تتأثر منظمة أوبك؟

المملكة المتحدة - لندن

الاقتصاد العالمي قد يواجه مرحلة من الركود

كنتيجة لفيروس سارس الصيني الذي حدث عامي 2002 و2003 خسر الاقتصاد الصيني 1-2 نقطة مئوية من إجمالي الإنتاج الوطني مما أدى الى خسارة بواقع ثلث بالمائة من النمو الاقتصادي العالمي.
ما يحدث في الصين اليوم يهم العالم ويهم كل فرد على وجه الأرض لأن حصة الصين من كعكة الاقتصاد العالمي تبلغ 19% حسب التقديرات وكانت حصة الصين من الاقتصاد العالمي عام 2002 لا تزيد عن 8%. وتعتبر الصين الآن أكبر ثاني اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.

دول العالم التي تعتمد على شبكات الإمدادات واللوجستيات الصينية تواجه تباطؤا في نشاطها الاقتصادي لا سيما اليابان، سنغافورة، نيوزيلندا، استراليا وايطاليا وغيرها. وستواجه بعض الدول الآسيوية خسارة كبيرة في إيراداتها السياحية بسبب عزوف ملايين من السائحين الصينيين عن السفر. ولبعض الدول مثل تايلاند الدخل السياحي هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.
كما لا يمكن تجاهل وقع ازمة الفيروس على الاتفاق الأميركي الصيني في مرحلته الأولى التي تهدف إلى نزع فتيل الحرب التجارية المسعورة بينهما. ويبدو حسب تقديرات المراقبين أنه من غير المحتمل ان تتمكن الصين من تنفيذ تعهداتها حسب الاتفاق الأخير بين واشنطن وبيجينغ الذي وافقت الصين بموجبه على استيراد منتجات وبضائع أميركية بقيمة 200 مليار دولار خلال العامين المقبلين. الآن لدى الصين العذر الجاهز بعدم الالتزام وهو ازمة الفيروس.
وكنتيجة مباشرة لانتشار الفيروس وتقلص النشاط الصناعي في الصين تراجعت أسعار السلع والمعادن الأولية مثل النحاس والحديد الى مستويات متدنية لم يشهدها العالم منذ ازمة الانصهار المالي 2008/2009 كما هبطت مؤشرات الأسهم في بيجينغ وشنغهاي وهونغ كونغ وعواصم العالم.

أسعار النفط والغاز تتهاوى

يبدو ان اسواق النفط والغاز تجاهلت العوامل الجيوسياسية وتخفيضات منظمة أوبك وحلفائها وواصلت التهاوي بسبب ما يحدث في الصين.
انخفضت أسعار النفط من 65 دولار للبرميل أواسط يناير الماضي لخام برنت القياسي الى 54 دولار قبل عدة ايام كما هبط خام غرب تكساس الوسيط القياسي الأميركي الى 49 دولار للبرميل.
تراجعت أسعار النفط بنسبة تزيد عن 20% منذ اندلاع أزمة فيروس كورونا الصيني ولن تتمكن منظمة أوبك من فعل أي شيء سوى التلويح بخفض الانتاج بواقع 600 ألف برميل يوميا اضافية اذا استمر انهيار الأسعار. وتوصلت أوبك وشركاؤها اوائل ديسمبر 2019 الى اتفاق ينص على تخفيض الانتاج بواقع 1.7 مليون برميل يوميا حتى نهاية مارس آذار 2020 لمنع هبوط الأسعار.

والسؤال المطروح الآن لماذا تقف منظمة أوبك عاجزة أمام فيروس كورونا الصيني الذي هوى أسعار النفط لأدنى المستويات منذ أكتوبر 2019؟
لم يتنبأ الخبراء حدوث فيروس كورونا في الصين وانتشارها حول العالم بسرعة فائقة. لم يتنبأ خبراء النفط وتجار البترول وسماسرة السلع الأولية ان يعصف الفيروس بأسعار النفط بهذه السرعة المذهلة.

الغاز الطبيعي المسال

انهار سعر الغاز الطبيعي المسال إلى 2.95 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وعندما وقعت روسيا اتفاقيات لتزويد الغاز الطبيعي لألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي عام 2017 كان السعر المتفق عليه 4.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية واعتبر هذا السعر جذابا وتنافسيا آنذاك.
انخفض الطلب الصيني على النفط بنسبة 25% منذ بداية فبراير. الطلب على وقود الملاحة الجوية انخفض بنسبة 20% على الأقل. كما انخفض الطلب على بنزين السيارات.

وقالت بلومبيرغ للمال والأعمال أن تراجع الطلب الصيني على النفط “قد يكون أقسى ضربة موجعة لأسواق النفط منذ أزمة الاقتصاد العالمي 2008-2009 والتي أدت الى تراجع كبير في الطلب العالمي على الطاقة”.
المخاوف من الفيروس تمنع الناس من السفر والطيران. انهيار أسعار النفط أكد أهمية الصين كأكبر مستورد للنفط والغاز في العالم. وما يحرك الأسعار للأعلى كما رأينا ليست ما تقوله اوبك او ما يحدث في ليبيا بل نمو الطلب الآسيوي بشكل عام والطلب الصيني على الأخص. وقد نمى الطلب الصيني على النفط بمعدل 5.5% سنويا بينما بلغ نمو الطلب الأميركي 0.5% . معظم النفط الخام الذي تستعمله الصين يتم استيراده من الخارج وباتت الصين المحرّك الأكبر لأسواق النفط وليست تخفيضات اوبك والأزمات الجيوسياسية. وفي واقع الأمر وضعت الصين أعضاء منظمة أوبك ومنتجين ومصدرين الغاز الطبيعي المسال في مأزق كبير ففضلا عن تقليل الاستيراد بواقع 25% ألغت الصين شحنات غاز طبيعي مسال في طريقها الى الصين. وتستغل شركات صينية الأزمة لابتزاز المصدرين للغاز حيث تهدد بالغاء 70% من المستوردات المنقولة بحرا وتمارس ضغوط على المصدرين بتخفيض الأسعار لمستويات متدنية جديدة. كما تم الغاء استيراد كميات كبيرة من المعادن الأولية مثل النحاس والحديد من دول مثل نيجيريا والبرازيل وتشيلي.

وأكدت شركة الصين الوطنية للبترول أنها ستقوم بتخفيض عمليات التكرير بواقع 350 الف برميل يوميا او 10% من طاقتها خلال الأسابيع المقبلة. واذا اضفنا تخفيضات المصافي الأخرى يرتفع إجمالي التخفيض الى حوالي مليون برميل يوميا. والاتصالات جارية الآن بين شركة الصين الوطنية للبترول مع الموردين الكبار مثل السعودية لتقليل الشحنات وتخفيضها خلال الشهور القليلة المقبلة او حتى تتضح أبعاد أزمة الفيروس كورونا.
والصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حيث بلغ الاستهلاك عام 2018 حوالي 13.5 مليون برميل يوميا وصعد الى 14 مليون برميل يوميا عام 2019. من الطبيعي ان خفض الاستهلاك والاستيراد سيجلب صداع كبير لأوبك وللمنتجين الكبار في العالم.

وربما يرى البعض ان في هذا التطور المفاجئ درسا للدول التي تعتمد اقتصاداتها على سلعة واحدة مثل النفط او الغاز الطبيعي ومن هنا جاءت تحذيرات صندوق النقد الدولي مؤخرا لدول الخليج العربي ان تتبنى سياسة تنويع الاقتصاد. وحذرت ان النفط قد ينبض خلال 15 عاما. وهذا يؤكد أهمية الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل. ربما ان ازمة الفيروس قد تكون المحفز لتلك الدول بالعمل على تنويع مصادر الدخل القومي.
العالم يدفع ثمن انتشار وباء فيروس كورونا ودول النفط تخسر جزء كبير من دخلها القومي ولكن الخاسر الأكبر هو الصين ذاتها. ستدفع الصين أعلى تكلفة مادية ومعنوية حيث تعرضت سمعتها الدولية كشريك تجاري فاعل موثوق الى هزة كبيرة مزلزلة.

والتساؤل الآن هل نقترب من النقطة التي سيقع اللوم فيها على اقتصاد الصين الضخم إذا ما واجه العالم ركود اقتصادي حاد؟

اخترنا لكم

إغلاق