إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

فشل الورقة الاقتصادية وشبح الاستقالة يقلق الحكومة!!!

ما يشهده لبنان منذ أسبوع من اعتصامات وتظاهرات شعبية لم تشهدها الساحات من قبل أكان لناحية أعداد المشاركين التي ناهزت المليونين ما يمثل نصف المواطنين أم لناحية البعد الجغرافي بحيث امتدت الأمواج البشرية على مساحة الوطن من اقصى شماله الى اقصى جنوبه ومن سهله إلى ساحله الواقع الذي جذب الاعلام العربي والعالمي الى سلمية الحراك والديمقراطية والانصهار الوطني بين مكونات الوطن اجمعين.

ان الاوضاع الاقتصادية المتردية التي وصلت اليها الحال في لبنان بالإضافة الى التدهور في السوق النقدي والأزمات المترافقة من شح في الدولار الأميركي الى التوقف عن دعم القروض الاسكانية الى استيراد المحروقات والطحين والادوية وغيرها من خدمات حيوية واخيرا ليس اخرا الضرائب التي طالت جميع السلع والخدمات بما فيها مؤخرا ضريبة 6$ على تطبيق الواتساب المجاني، جميعها ساهمت بالتكافل والتضامن الى زيادة الاعباء على المواطن اللبناني بشكل لم يعد يحتمل مما فجر غضب اللبنانيين فانطفضوا وملؤا الساحات بهتافات نددت بممارسات السلطة وطالبت جميع الفرقاء بالاستقالة واعادت افراز سلطة محايدة.

لقد حاول رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري كسب الوقت لوضع خطة تخرج الحكومة من عنق الزجاجة فاعطى الوزراء مهلة 72 ساعة للتوافق على ورقة إصلاحات اقتصادية علها تمتص غضب وسخط الشارع وتعيد الانتظام العام. بناء عليه خرجت الحكومة بسلّة إصلاحات تضمنت 20 بندا إصلاحيا وطالبت المواطنين باعطائها الوقت للمباشرة بالإصلاحات التي سوف تنهض بالاقتصاد الوطني. اعتقدت الحكومة أنه باستطاعتها تخدير مواطنيها من خلال بنود بعناوين براقة وجذابة إنما كما يقول المثل الشائع ” تجري الرياح بما لا تشتهي السفن” حيث ان الرد جاء سريعا و مدويا من المواطنين الذين توافدوا بأعداد متزايدة رافضين الورقة الاصلاحية لعدم ثقتهم بمصداقية الحكومة وقدرتها على إحداث تغيير إيجابي مطالبين إياها بالاستقالة.

نعم ايها السادة فقد أصاب الشعب بتقديره حيث فشلت الحكومة. مما لا شك فيه ان الحكومة اخطأت في تقديرها عزيمة المتظاهرين وجديتهم في مطالبهم واتت الورقة الاقتصادية لتدين الحكومة عوضا عن تعويمها. ان السؤال البديهي الذي فرض نفسه هو كيف استطاعت هذه الحكومة العاجزة عن ايجاد حلول اقتصادية في يومين تحت الضغط الشعبي ما قد عجزت عنه الحكومات المتتالية منذ 1990. الجواب يحتمل ان يكون أما المراوغة والهروب إلى الأمام لبعثرة الحراك الشعبي وهذا غير مقبول اطلاقا واما اذا كان بإمكانهم إيجاد الحلول منذ عقود ولم يفعلوا بهدف التمسك بمراكزهم والاستفادة المادية من الصفقات المالية فهذه الاخيرة هي المصيبة الكبرى.

لا يمكن لأحد ان يقنع شعبا حيا انه من أخفق في إدارة الدين العام حتى وصل الى 90 مليار ومن عجز عن تطبيق خطة الكهرباء لتصل الى 24/24 ساعة واستمرار سلف الخزينة لتمويل البواخر بقيمة 2 مليار دولار اضافة الى التوظيف السياسي الذي تخطى 5000 متعاقدا بالرغم من القرار الوزاري بعدم التوظيف في القطاع العام منذ اب 2017 ناهيك عن التقاعس عن محاربة الفساد والتهرب الضريبي الذي يقدر بحسب الجهات الدولية بـ 5 مليار وصولا الى الاملاك البحرية والنهرية وحسن إدارة أملاك الدولة وغيرها لا يمكن ان يستمر في ادارة الدولة واعطائه فرصة للشروع في الاصلاحات لانه مضيعة للوقت وللمال العام.

ان بنود الورقة الاقتصادية منها ما هو منطقي وقابل للتطبيق ويأتي بمردود ايجابي على الخزينة مما يخفض العجز في الموازنة العامة أما الجزء المتعلق بالضرائب على القطاع المصرفي والبالغة 25% اضافة الى فقرة تمويل المصرف المركزي والمصارف التجارية للخزينة بـ 5100 مليار ليرة لبنانية فهي قرارات خطيرة جدا وسوف يكون لها ارتدادات مقلقة على القطاع المصرفي وبالتالي على السياسة النقدية التي تعتبر العامود الفقري للاقتصاد اللبناني. هنا يجب ان لا ننسى تخفيض تصنيف مؤسسة فيتش للدولة اللبنانية الى CCC كما وتخفيض التصنيف لمصرفين عريقين هما عودة وبيبلوس بسبب حملهم سندات سيادية لبنانية بنسبة عالية. اما بالنسبة الى الخصخصة المقترحة فيجب ايلاءها أهمية قصوى ودراسة معمقة للتمكن من الحصول على اعلى مردود ممكن للدولة مع الاحتفاظ ببعض المرافئ الحيوية والاستراتيجية بيد الدولة.

في الختام أود سرد رواية “العبيد والثورة”:

كان العبيد في أميركا منذ زمن منقسمين إلى قسمين، عبيد الحقول يعيشون في قهر وذل وكبت ويخدمون في الحقول ليل نهار، بينما كان عبيد المنازل يعتبرون أنفسهم من طبقة العبيد المرفهة فكانوا يأكلون بقايا طعام أسيادهم ويلبسون ملابسهم القديمة ويخدمون في بيوت الأسياد البيض.
وكان كلما اجتمع عبيد الحقول لتحرير أنفسهم من العبودية يخالفهم عبيد المنازل المنتفعين وكانوا يسارعون بنقل أخبار وترتيبات الثورة لأسيادهم فيقوم الأسياد بتعذيب عبيد الحقول ويفشلون حلمهم.
وكان العبيد المنتفعين يفعلون ذلك ليس لهدف أو لحكمة بل لأن بقايا الطعام والملابس أغلى عندهم من الحرية. هؤلاء هم سبب فشل أي محاولة للحصول على الحرية”

علاّ ان يعي السياسيون في لبنان مخاطر تكرار نهج قصة العبيد هذه التي اوصلت العبيد في الولايات المتحدة إلى التحرر بعد حرب أهلية دامية فيبادرون ويقومون بما يملي عليهم ضميرهم، والسلام.

اخترنا لكم

إغلاق