إقتصاداخترنا لكممصارفمقالات رأي

المصارف تواجه التحدي الكبير … فهل يستجيب اللبنانيون؟

مما لا شك فيه ان اهتراء الوضع الاقتصادي كان المحرّك الاول والاساسي لنزول الشعب إلى الشارع وافتراشه الساحات والطرقات تحت راية لا لفساد الطبقة السياسية وللمطالبة بالأموال المنهوبة. أمّا الآن وقد تحقق المطلب الأول للثورة الشعبية المتجسد باستقالة الحكومة فإنّ النقاش انتقل إلى مكان آخر.

كثر الحديث في الاونة الاخيرة ان الثورة الشعبية قد سرعت في الانهيار الاقتصادي من جهة ولم تتمكن من تحقيق أي مكسب من جهة أخرى. في الواقع ان هذه الافتراضات غير مقنعة و أيا كان الحل السياسي فان لبنان أصبح عند مفترق طرق ويحتاج إلى حكومة قادرة وبشكل عاجل على تقديم إصلاحات حيوية وضرورية لبناء بلد أفضل لجميع أبنائه.

في الواقع ما أنجزته الانتفاضة على المستوى المالي هو ليس بقليل حيث أظهرت هشاشة الوضع المالي ودفعت باتجاه نقطة اللاعودة وبالتالي، لم تعد السلطة الحالية قادرة على إعادة عقارب الساعة الى الوراء والعودة إلى الحياة الطبيعية من دون المخاطرة بحصول الانهيار المالي لذا يجب أن تقوم بإجراءات حاسمة وحازمة تريح المزاج الشعبي الذي يترقب ليحاسب.

لم يعد خافيا على أحد ان القطاع المصرفي عامة وعلى رأسه حاكم المصرف المركزي رياض سلامة هم في عين العاصفة ويتم استهدافهم منذ ما قبل الثورة بأسابيع عدة من قبل بعض التيارات السياسية تحت شعارات شعبوية وتقديمها للرأي العام على انهم المسؤولون عن إفقار المواطنين والمستفيدين من مردود الفائدة على دين الدولة وكسبهم الأرباح الطائلة.

من الطبيعي ان تستفيد المصارف من خلال عملية إقراض الدولة التي بموجب نظرية “crowding out effect” وحاجتها الماسة لتمويل العجز في ميزانياتها المتتالية رفعت سقف الفائدة على الدين وأطاحت كل المستثمرين الذين فضلوا إيداع اموالهم في المصارف والاستفادة من ريعية الحسابات عوضا عن استثمارها فانكمش الاقتصاد وشحت السيولة وارتفعت نسبة البطالة وفقدت التأمينات الاجتماعية.

ان المستفيدين من انهيار القطاع المصرفي وضرب مصداقية حاكم المصرف المركزي وبالتالي كسر العامود الفقري الذي يرتكز عليه الاقتصاد اللبناني اذ انه الممول الأول للدولة اللبنانية هم كثر منهم من هو داخلي وله علاقة بالسباق القادم على الرئاسة الأولى ومنه خارجي ويتقاطع ايضا مع العوامل الداخلية ويرتكز على مبدأ المحاسبة بسبب التناغم بين القطاع المصرفي وكل من الاحتياطي الفيدرالي ومكتب ملاحقة الأصول المشبوهة والكشف على الحسابات المرتبطة بالمنظمات المدرجة على لائحة العقوبات الامريكية اضافة الى اجندات اقليمية اخرى.

لقد سعى هؤلاء المستفيدون من الضغط على السوق المالي عبر التلاعب بالدولار حيث شهد القطاع المالي ازمة شح الدولار من السوق والتي نتج عنها ازمة استيراد المحروقات والطحين الخ فارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء بنسبة ملفتة منذ سياسة تثبيت سعر الصرف الذي اعتمده المركزي منتصف التسعينات ليتبين لاحقا انها ازمة مفتعلة مردها العقوبات الأميركية وعملية تهريب الدولار من لبنان الى سوريا كما يشاع، إلّا انّ الأهم من ذلك هو عامل المضاربة اذ عمد بعض الصرافين والسماسرة الى ادخال اموال من دول الجوار وتحويلها الى دولار ومن ثم شحنها إلى الخارج تحديدا تركيا.

مما لا شك فيه ان الوضع المالي وصل الى مرحلة مقلقة جدا وهذا لسان حال المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية اذ اعتبر تقرير لـ”بنك أوف أميركا – ميريل لينش”، أن الثورة على الفساد في ظل غياب أي تسوية سياسية تعيد الثقة للمواطنين زاد من مخاطر الانهيار المالي وأنّه قد يؤدي إلى تعديل في سعر صرف الليرة ، وإعادة هيكلة الدين العام.

ايضا لفت حديث لحاكم المصرف المركزي مفاده ان عدم التوصل الى علاج جذري للأزمة المالية، والكلفة الباهظة لاستمرار الوضع الحالي، وإغلاق قناة الاستيراد بسبب إقفال المصارف، وإستحقاقات ديون دولية، وانعدام النشاط الاقتصادي، وخسائر كبيرة لن تتحملها الشركات ما سيؤدي الى توقفها عن دفع رواتب موظفيها، والمزيد من البطالة مما يعجل الانهيار المالي الكبير.

ايها اللبنانيون غدا يوم سوف يذكره التاريخ إذ يتميز بالمزاج العام و بكيفية تعاطي المواطنين في اليوم الأول من فتح المصارف أبوابها تجاه المعاملات المصرفية. لطالما برهن الشعب اللبناني عن صلابة تجاه الأخطار الداهمة وقد مكنه ذلك من المواجهة على كافة الاصعدة مما جعل من اقتصادنا الوطني مثال يحتذى به لتماسكه ومناعته تجاه المخاطر” Resilient Economy”. ان الاقتصاد الذي واجه العدوان الاسرائيلي سنة 2006 وغيرها اضافة الى تخطي مسلسل الاغتيالات لرجالات الدولة والرمزية الاقتصادية للرئيس الشهيد رفيق الحريري ناهيك عن تجنب الارتدادات السلبية والتداعيات الكارثية للازمة المالية العالمية سنة 2008 سوف يتمكن مرة اخرى من تخطي الازمة المالية الحالية.

ان مصرف لبنان لديه احتياطي في العملة الأجنبية قيمته الفعلية 33 مليار دولار تكفيه للتدخل والدفاع عن سعر صرف الليرة اللبنانية الرسمي اضافة الى سلسلة من الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي للحد من الضغط على الليرة والتحويلات المصرفية الى الخارج مما يعزز المتانة المالية. اضف الى ذلك ان الودائع المصرفية في العملة اللبنانية مجمدة لفترة تتخطى السنة ما يعني ان تحويل الودائع المستحقة خلال هذه الفترة لن يكون بالمقلق علما ان الفائدة المغرية على الليرة سوف تساعد في لجم التحاويل. ان التقدير العام الأولي لحجم التحويل الى الدولار لن يبلغ أكثر من 3 مليار دولار في الأيام الاولى للعمل المصرفي أما بالنسبة الى السحوبات الخارجية فهي مكبلة نوعا ما لناحية الاجراءات الادارية والتعاميم المصرفية.

في الخلاصة، ان المسؤولية في الحفاظ على العملة الوطنية هي في يدنا فلنتصرف كما كنا دائما بوطنية ونعمد إلى إجراء جميع المعاملات المصرفية التي نحتاجها دون اي هلع او خوف لانه لا احد يستطيع ان يغرق الليرة اللبنانية الا اللبنانيين أنفسهم. مع التمني ان يمر يوم الغد وبعده على سلام تجنبا للوصول الى ما يعرف بال (capital control) وصولا الى الـ (hair cut) والسلام

اخترنا لكم

إغلاق