إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

شرارة “واتساب” حرّكت الشارع، فكيف سترّد الحكومة؟

لقد حصل ما كنا نخشاه ووقعت الحكومة والسلطة مجتمعة في المحظور نتيجة تماديها في سياسة فرض الضرائب ومد يدها على جيوب المواطنين لجباية ما تبقى، إذا كان قد بقي من شيء اصلا لتحصيله، بهدف تمويل الموازنة وتخفيض العجز لإعطاء صورة براقة للسياسة الاقتصادية المتبعة أمام أعين المجتمع الدولي.

ان التظاهرات العفوية التي تعم المناطق اللبنانية من عكار الى النبطية ومن بيروت الى زحلة حيث تم إقفال معظم الطرقات الرئيسية بالاطارات المشتعلة والهتافات التي يطلقها المواطنون تشير إلى الاحتقان لدى عامة الشعب من سياسة الحكومة الضرائبية التي قد سبق ووعدت بعدم المس بالضرائب وكان قد اعلن وزير المال حسن خليل ان موازنة 2020 التي هي على طاولة مجلس الوزراء لن تتضمن أي زيادة على الضرائب فجاءت الضريبة على المكالمات عبر تطبيق “الواتساب” لتكون الشرارة التي اعطت اشارة الانطلاق للتظاهر.

بالرغم من تراجع وزير الاتصالات محمد شقير عن قراره بعد التشاور مع رئيس الحكومة اعتقادا منه ان خطوة كهذه قد تمتص غضب الشارع إلا ان ثقل الزيادات على الضرائب المقترحة من ضريبة على القيمة المضافة الى البنزين والخبز وسعر كيلووات الكهرباء ناهيك عن ازمة السيولة وسعر صرف الدولار وأزمة الطحين و عودة طوابير السيارات للوقوف أمام محطات الوقود وفضيحة طائرات “سيكورسكي” التي تبين انها عاجزة عن إطفاء الحرائق التى اشعلت لبنان في الأمس القريب كل ذلك وغيره قد ادى الى تراكمات سلبية الى ان كبرت كرة الثلج ووصلت الى ما وصلت إليه.

الان الحكومة مطالبة بتغيير السياسة المالية المعتمدة في مقاربتها لزيادة مداخيلها وبالتالي تخفيض العجز في الموازنة ليس على حساب المواطن المعدوم والطبقة الكادحة بل الشروع في اعتماد إصلاحات بنيوية وهيكلية وضرائبية تحقق عدالة اجتماعية تطال السواد الأعظم من المواطنين.

ان أبواب الهدر والفساد كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر التهرب الضرائبي، المعابر غير الشرعية، التوظيف العشوائي السياسي، العجز في الكهرباء، الأملاك البحرية والنهرية، تخمة الصناديق والمجالس الاقتصادية والاجتماعية والحكومية واخيرا ليس اخرا الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية الوهمية. التقديرات الرسمية والدولية تشير إلى أنه في حال تطبيق الإصلاحات المطلوبة في مؤتمر “سيدر” سوف تتمكن الدولة من تحصيل ما يوازي 5 مليار دولار اميركي مما يسد العجز في الموازنة ويكون الدافع للنهوض بالوضع الاقتصادي وإعادة لبنان الى لعب دوره الرائد في الشرق الأوسط.

يقول السيناتور الأميركي بيرني ساندرز عن ولاية فيرمونت “في الوقت الذي نشهد فيه غياب للعدالة الاجتماعية منذ 1920 في ظل تراكم الثروات لدى قلة قليلة من الافراد والمؤسسات المالية والشركات الكبرى بشكل غير مسبوق، اعتقد جازما انه يجب علينا ان نطالب أصحاب الأموال الطائلة بتسديد ضرائب تتلاءم مع مداخيلهم. ان خطوة مماثلة لا تؤدي فقط إلى خفض العجز بل تؤمن موارد كافية لكي تستثمر في الاقتصاد الوطني لتعزيز الناتج الإجمالي المحلي وخلق فرص عمل شبابنا باعز الحاجة إليها”.

ختاما، نطالب صانعي القرار والاتعاظ من مقولة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز والتركيز على وضع سياسة اقتصادية مترافقة مع خطة عملية تحاكي الانتاجية والحداثة والاعتماد على الاستثمارات في البنى التحتية من قبل الحكومة عوض عن التقشف والولوج إلى رفع معدلات الضرائب اذ انه بحسب الاقتصادي “كينز” ان الاستثمار الحكومي له مفاعيل إيجابية مضاعفة على الاقتصاد الوطني أكثر بكثير من إيجابية الزيادة الضرائبية.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى