اقتصاد الطاقةدولياتمقالات رأي

سياسة أوبك في ظل الارتباك النفطي العالمي؟

لندن - المملكة المتحدة

الأجواء الضبابية تخيم على اسواق النفط العالمية واقتصاديات الدول المستهلكة التي تستورد نفط منظمة أوبك.

نصيحة الخبراء لأوبك وحلفائها تتلخص في توخي الحذر قبيل انعقاد مؤتمرهم أوائل الشهر المقبل في فيينا للنظر في موضوع اتفاق تخفيض الإنتاج بواقع مليون و 200 الف برميل يوميا منذ بداية العام وحتى نهاية يونيو حزيران الحالي.

بينما تحاول الدول الأعضاء في أوبك والشريك الروسي تقليص الانتاج،  يسود اسواق آسيا مزيد من القلق. الحرب التجارية بين واشنطن والصين والتي مضى عليها عام كامل لم تنته بعد وقد تستفحل. وتبعيات تلك الحرب لا تزال قائمة حيث تعاني صناعات السيارات في اليابان من انخفاض الربحية  وأيضا تراجع استهلاك وقود الديزل في الصين. كما ان هناك انخفاض في نشاطات المصافي التكريرية في  كوريا وتايوان. كما ان دخول مصافي تكرير البترول الجديدة التي ستبدأ التشغيل قبل نهاية العام سيزيد الطين بلّة مما يعني تراجع أسعار المشتقات واشتعال حرب تنافسية وتراجع الربحية. هذه  الصورة القاتمة ستربك منظمة أوبك وشركائها الذين يدرسون كيفية تحقيق التوازن في الأسواق. الأسعار الآن مرتفعة نسبيا بسبب التوترات الجيوسياسية وانقطاعات مفاجئة في الإمدادات من حين لآخر. وإذا فشلت أوبك في تقدير حجم الطلب على النفط في أسواقها الكبرى، فهي بدون قصد  تقوض جهودها الرامية لتحقيق التوازن في السوق ومنع الأسعار من الانهيار.

 بالنسبة للأسعار

هبطت أسعار النفط أمس الثلاثاء، بسبب مخاوف تتعلق بتراجع الطلب على النفط حيث انخفضت  العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 34 سنتا أو 0.5% إلى 64.52 دولار للبرميل. وكانت قد تراجعت 0.5% يوم الاثنين.

وخسرت العقود الآجلة للخام الأميركي 24 سنتا أي ما يعادل 0.4% إلى 57.66 دولار للبرميل. وكان الخام الأميركي القياسي ارتفع في الجلسة السابقة 0.8%.

وصعد برنت 5% في الأسبوع الماضي، بينما زاد الخام الأميركي 10% بعدما أسقطت إيران طائرة مسيرة أميركية يوم الخميس الماضي في الخليج، ما أجج التوترات بعد هجمات على ناقلات نفط في الخليج العربي في شهري أيار وحزيران.

المخزونات الأميركية

لا شك أن بيانات معهد البترول الأميركي الأخيرة المتعلقة بالمخزونات النفطية ستلقى ترحيبا في صفوف أوربك وشركاؤها. حيث هبطت هبطت مخزونات الخام 7.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 21 يونيو إلى 474.5 مليون برميل، بينما توقع المحللون انخفاضها 2.5 مليون برميل.
وذكر معهد البترول أن مخزونات الخام بنقطة التسليم في كاشينج بولاية أوكلاهوما تراجعت 1.3 مليون برميل.
كما تراجع الاستيراد الأميركي للنفط الخام خلال الأسبوع الماضي بحوالي 740 ألف برميل يوميا إلى 6.9 مليون برميل يوميا.

تراجع الطلب على النفط والمشتقات

الطلب على النفط يتراجع لأسباب اقتصادية وأسباب جيوسياسية ورغم ذلك لم ترتفع الأسعار لمستويات أعلى مما هي عليه الآن. ويبدو ان أوبك وشركاؤها سوف يمددون اتفاقية خفض الإنتاج لستة شهور أخرى. وقد تراجع الطلب الصيني على الوقود منذ بداية 2019 حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية في حزيران. كما ان الاستهلاك الياباني والكوري انخفض في شهر مارس آذار وأبريل نيسان الماضيين على التوالي. وهبطت مبيعات السيارات في الصين بنسبة 13% من يناير كانون ثاني حتى مايو أيار مقارنة مع نفس الشهر عام 2018.

هبوط الطلب على وقود الديزل في الصين بنسب أعلى من 10% في مارس وابريل يعود إلى حد ما لتراجع  الإنتاج الصناعي.

بينما تسعى مصافي التكرير في كوريا وتايوان لتحقيق نقطة اللا ربح ولا خسارة، دخل الساحة التكريرية منافسين جدد. ودخلت محطات تكرير جديدة  تم البدء في بنائها في أوقات أفضل وظروف مواتية، سوقا شديد المنافسة والذي يعاني أصلا من أصلا من ربحية قليلة. ومن الشركات الجديدة  “هينغلي للبتروكيماويات الصينية”  التي  تعرض للبيع بنزين بسعر 770 دولار للطن بعد الضرائب وهذا يمثل خصما يزيد عن 10% عن أسعار مصافي التكرير المستقلة في المنطقة من أجل اقتناص حصة في السوق. وحرب الأسعار سوف تحتدم مع دخول لاعب آخر جديد “رونغ شينغ في زوشان الصينية”  قرب مدن كبيرة مثل شنغهاي و مدينة هانجزو.

التنبؤات والتخمة

وحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر يونيو حزيران الحالي سيرتفع الطلب العالمي على النفط بنسبة 1.2 مليون برميل يوميا فقط  هذا العام بسبب تباطؤ حركة التجارة الدولية. وبينما ترى الوكالة أن الطلب سوف يرتفع الى 1.4 مليون برميل يوميا عام 2020 إلا ان الإنتاج العالمي سيرتفع بواقع 2.3 مليون برميل يوميا أي ان التخمة تزحف من جديد للأسواق.

بينما يتوقع غولدمان ساكس البنك الاستثماري والاستشاري الأمريكي ارتفاع في الاستثمارات وتصاعد الانتاج الصناعي ومن ثم تصاعد أسعار السلع بما فيها النفط ولكن مجموعة “سيتي غروب” المصرفية والاستشارية  تتوقع صعود مزيج برنت القياسي الى 75 دولار للبرميل خلال شهور الصيف أي أكثر من 10 دولارات للبرميل فوق مستويات الأسعار الحالية.

ويجتمع أعضاء اوبك وحلفاءهم في فيينا اول وثاني أيام يوليو تموز المقبل لتقرير مستويات الإنتاج. يتوقع المراقبون تمديد الاتفاق الحالي. ولكن إنتاج أوبك الإجمالي انخفض لأدنى مستوياته منذ 2014 والسؤال هل هذا الانخفاض يكفي لتحقيق توازن واسعار جيدة في السوق؟

التوترات المتصاعدة بين طهران وواشنطن اضافت بعدا جديدا لوضع معقد أصلا والخطر ان أوبك ستركز على توترات الخليج العربي وتتجاهل إشارات تراجع الطلب في آسيا ومناطق أخرى في العالم. وفي هذا السياق قال وزير الطاقة الروسي أليكسندر نوفاك الاثنين حسب بلومبيرغ أن روسيا تأخذ موقف الانتظار ورصد ما يحدث من تطورات وأغلب الظن ان اتفاقية خفض الإنتاج ستستمر.

المخاطر السياسية واضحة للجميع ولكن الإنتاج الأمريكي المتصاعد وتباطؤ الطلب العالمي قد يخلق حالة عدم توازن قد تؤدي الى تراجع في الأسعار. أي أن الطلب لا يواكب حجم العرض وهنا يكمن الخطر لأوبك وشركاؤها. وبناء على المعطيات المذكورة أعلاه، فلا خيار أمام أوبك وروسيا سوى الاستمرار في اتفاق التخفيض حتى نهاية عام 2019.

ربما تبقى أوبك قادرة على التحكم في إنتاج أعضائها ولكنها لا تستطيع ايقاف الانتاج العالمي المتزايد. وما حدث في الشهور الأخيرة ورغم تخفيضات أوبك، يتصاعد الانتاج الأمريكي بقوة وأي قرار تأخذه “أوبك” سوف لا يغير المعادلة كثيرا. وهذا هو التحدي الأكبر الذي سيواجه المنظمة في الأعوام القليلة القادمة.

اخترنا لكم

إغلاق