إقتصاددولياتمقالات رأي

سقوط الرأسمالية …. واقع ام خيال

بدأ “الحلم الاميركي” يتهاوى ولم يعد بمتناول الساعين لتحقيقه بل اضحى في قبضة قلة قليلة من المستثمرين وهذا لامر واقع وليس بخيال. ان هناك اسباب خفية تدركها نخبة من الأميركيين والتي تجعل من النظام الرأسمالي الامريكي هشا وقابلا للسقوط.

ان الاسباب التي تكمن وراء اللامساواة والتي أطاحت بالحلم الأميركي كثيرة إنما لم تظهر بعد إلى العلن.  فالاحصاءات تشير إلى ان 77 % من الاميركيين يعتقدون ان نظامهم الاقتصادي غير شفاف وهذا ما قد سبق وتبناه المرشحان للرئاسة الاميركية سنة 2016 دونالد ترامب وبرني ساندرز مما أدى إلى حصولهما على دعم غير مسبوق نتيجة هذا الخطاب.

لقد اصبح جلياً ان الاقتصاد الاميركي تحول من سوق تنافسي مفتوح للجميع الى اقتصاد متمركز حيث ان عدد محدود من الشركات الكبرى بات يتحكم بالقطاعات المفصلية والتي تؤثر على حياتنا اليومية. مثالا على ذلك، ان 4 شركات طيران أميركية فقط تسيطر على حركة الطيران عامة، وعدد قليل من البنوك لا يتجاوز الخمس يتحكم بأكثر من نصف إجمالي موجودات القطاع المصرفي كما ان شركة غوغل تتحكم بـ 90% من البحث الالكتروني وايضاً يحتكر تطبيق فيسبوك أكثر من 70 % من الحركة على شبكات التواصل الاجتماعي.

ان التنافس التجاري في الولايات المتحدة الأميركية أصبح في ادنى مستوياته ويمكن ان يكون قد امسى من الماضي. من المعلوم ان الرأسمالية من دون وجود روح التنافس في السوق التجاري وجميع القطاعات الاقتصادية الأخرى هي ليست رأسمالية وهذا للأسف حال الاقتصاد الأميركي عامة. فمن خدمة الولادة حتى الشيخوخة ومن الخدمات الاستشفائية الى السفر والسياحة وما بينهما يعتقد المستهلك ان لديه خيارات عدة لانتقاء الخدمات والسلع الأنسب، إنما للحقيقة عند الخيارات المصيرية والحساسة لديه فقط شركة أو اثنان وفي احسن الاحوال شركات لا يتعدى عددها أكثر من اصابع اليد الواحدة.

ان هذا السلوك الاقتصادي عرف بما يسمى بـ “التحكم التجاري”. في هذا السياق، أظهرت دراسة في جامعة رايس بولاية تكساس الاميركية ان 75 % من القطاعات في الولايات المتحدة أصبحت محصورة في عدد قليل من الشركات الكبرى في السنوات الـ20 الأخيرة. إن لائحة القطاعات الاقتصادية التي طالها “التحكم التجاري” لا تعد ولا تحصى من صناعة النظارات إلى العدسات اللاصقة فالمستشفيات والجامعات الى التأمين فالزراعة وصناعة المواد الغذائية وغيرها، لذا من الطبيعي ان يشعر المواطن الاميركي انه يعيش في عصر مشابه للقرن 19 أي فترة ما بعد الحرب الأهلية (1860-1896) والحرب العالمية الاولى 1914 حيث كان الظاهر مشرق انما المضمون يشير الى فساد واحتكار وتفاوت في الطبقات الاجتماعية.

في ثمانينات القرن الماضي، أطلق الرئيس الأميركي رونالد ريغان دفتر شروط “الاندماج والتملك” ومنذ ذلك الحين نشهد على عمليات اندماج اضافة الى ابتلاع الشركات الكبرى للاصغر حجماً. على سبيل المثال لا الحصر، تشير الاحصاءات ان شركات التكنولوجيا العملاقة اشترت اكثر من 500 شركة في العقد السابق فقط. في نفس الوقت، فشلت لجنة التجارة الفيدرالية كما ووزارة العدل في التقدم بشكاوى تلاعب ضدّ بعض الشركات والسبب يعود الى تركيز اهتمام هاتين الأخيرتين على معايير حماية المستهلك فقط. من الجهة المقابلة، تمكنت الشركات الكبرى من الإفلات من الرقابة زاعمة ان عمليات الاندماج او الابتلاع تعود بالخير على المستهلك حيث ان هكذا عمليات تؤدي الى تخفيض الاسعار. ان واقع الحال  يشير الى غير ذلك تماما حيث تبين أنه في 95% من الحالات ارتفعت الأسعار نتيجة انعدام التنافس وأصبحت الشركات الكبرى محتكرة للأسعار فارضة على المستهلك ما يجب ان يدفع للحصول على مبتغاه.

وبالنظر الى كل تلك الوقائع، يجنح البعض الى الاعتقاد ان اللامساواة هي العلّة بيد ان هذا التحليل هو غير دقيق لأن اللامساواة هي النتيجة اما العلّة الحقيقية هي “التحكم التجاري”. ان هذه الآفة تساعد على توضيح واقعة التباطؤ الاقتصادي بالرغم من مليارات الدولارات التي تضخها الحكومة الاميركية والتي رفعت منسوب الدين السيادي ناهيك عن عمليات طباعة الأموال و التناقص في عدد الشركات الناشئة كما وان أجور العمال والموظفين انخفضت بنسب واضحة.

إذا أرادت الولايات المتحدة ترسيخ مفهوم الرأسمالية التي لطالما تغنّت به، عندها يجب على صانعي القرار في شقيه الاقتصادي والسياسي تحديث قوانين مكافحة الاحتكار لإعادة بث روح التنافس بين الشركات وكافة القطاعات الاقتصادية بهدف تحفيز النمو من خلال زيادة نسبة العمالة ورفع مستوى الدخل الفردي للعمال والمساواة والعدالة الاجتماعية.

في الواقع لقد بدأ بعض النواب “السيناتورز” بالتحرّك في هذا الاتجاه حيث تقدمت السيناتور ايمي كلوبوشار عن ولاية مينيسوتا بطرح مشروع قانون “منع التحكم التجاري وتحفيز التنافس” وذلك لتعزيز ونشر مفهوم مكافحة الاحتكار. وقد لاقى هذا القانون صدى لدى الحزب الجمهوري حيث تبناه السيناتور مايك لي عن ولاية يوتا. ايضاً تقدمت السيناتور اليزابيت وورن بمشروع قانون “محاسبة الرأسمالية” والذي يهدف الى تحديث وتطوير آلية “الادارة الرشيدة” والتي تسمح من خلال هذا القانون بانتخاب 40 % من مجلس الإدارة من قبل الموظفين إضافة الى أمور أخرى ذات صلة.

في الخلاصة، ان الفكر الرأسمالي الذي طبع الاقتصاد الأميركي لعقود طويلة ومسألة “التحكم التجاري” وانعدام المنافسة الحقيقية اضافة الى كافة الثغرات التي تجلت نتيجة ذلك سوف تكون طبق سياسي دسم على مائدة الانتخابات الاميركية المقبلة 2020 ويبقى الترقب سيد الموقف.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى