إقتصادمقالات رأي

رغم المخاطر المالية: لبنان ليس اليونان

جزء من دراسة أوسع نشرها الكاتب في شباط ٢٠١٩

ان هناك قلق متزايد بشأن توقعات ديون لبنان، صحيح، أن العجز المالي في نهاية الربع الثالث من عام 2018 يعد ضعف العجز في نفس الفترة من العام السابق، إلا أن هذا ساهم فيه عاملان رئيسيان؛ الأول، الزيادات في الأجور والمرتبات التي تم اعتمادها خلال الربع الأخير من ميزانية عام 2017 وتم تمديدها خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2018، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة أجور الموظفين بنسبة 21٪، وثانيًا، زيادة تكلفة خدمة الدين بنسبة 8 ٪ مما يعكس ارتفاع كلا من الديون وأسعار الفائدة.

من المحتمل أن تسجل أسعار الفائدة المزيد من الارتفاع، حيث كلفّت أحدث إصدارات سندات الخزانة في لبنان ارتفاع سعر الفائدة بنسبة 2.5٪ ليصل إلى 10٪ على أساس العشر سنوات، كما ارتفعت أسعار الفائدة على المدى القصير بنسبة 1 ٪ لتصل إلى حدود 6 ٪ -7 ٪. ومع ذلك، فإن المعدلات الحقيقية
من المتوقع أيضًا أن تسفر التوقعات المالية العامة لعام 2018 بالكامل عن مزيد من التدهور، وقد يصل العجز الكلي إلى 9 تريليون ليرة لبنانية (6 مليارات دولار)، مما يرفع نسبة العجز إلى 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 7٪ في عام 2017.
هذا يعني أن هناك حاجة إلى بذل جهد أكثر من أجل الامتثال بتعليمات مؤتمر CEDRE؛ للحد من العجز في الميزانية بنسبة 1% سنويًا خلال السنوات الخمس المقبلة.
لم يتم الكشف عن ميزانية 2019 بعد، ولايزال يتعين تقديمها إلى الحكومة الجديدة من أجل الحصول على الموافقة البرلمانية في وقت لاحق. ولكن لا يتوقع حدوث تغييرات كبيرة حيث أن الأجور غير المرنة وخدمة الديون ضرورية، وتشكل 70٪ من إجمالي الإنفاق.
إن المخاطر المالية التي تتعرض لها لبنان كبيرة وتسبب أضرارًا مُدمرة للاقتصاد ككل. فهي أولاً، تثقل كاهل الحساب الجاري لميزان المدفوعات من خلال الفجوة بين الادخار والاستثمار في القطاع العام. ثانياً، قللت خدمة الديون المرتفعة، التي تصل إلى حوالي 50٪ من العائدات، من خيارات الحكومة في استخدام الإيرادات، حيث أدى الانخفاض في إنفاق الرأسمال إلى توفير موارد كافية للإنفاق الحالي؛ وكما هو ملحوظ تكون الأولوية دائمًا للحكومة زيادة الأجور بشكل كبير. ثالثًا، التكلفة الرأسمالية المرتفعة التي تحدث دائمًا تُضعف من الاستثمار في جميع القطاعات.
من جهة أخرى فإن البيانات الإعلامية الأخيرة التي تشير إلى إمكانية إعادة هيكلة الديون، بما يشمل تخفيضات غير واقعية للديون (تصل إلى 65 ٪ في بعض الافتراضات) بدافع الاعتقاد بأن هناك حاجة مُلحة للوصول إلى مستوى دائم للديون، كان لها تأثير سلبي على الثقة في الأسواق المالية الفرعية.
لتهدئة الأسواق، فند وزير المالية تلك المزاعم الصحفية التي تقول أن لبنان على وشك إعادة هيكلة كبرى بخفض الديون، حيث أكد أن تلك التقارير استندت إلى تصور غير واقعي لهيكل الديون، وللآثار القانونية المُترتبة على إتخاذ هذا الإجراء.
التشبيه المتكرر بالوضع اليوناني، بالتأكيد أيضًا أمر خاطئ. كان لليونان ديون خارجية كبيرة للبنوك الأوروبية، وهو ما حرمه من عملته الخاصة، ولم يستطع خدمة دينه إلا من خلال توليد فوائض كبيرة في ميزان مدفوعاته؛ وهو ما يستحيل وجوده تماما في ظل العجز المالي الحالي، حيث يمكن للبنوك الأجنبية (بشكل أساسي البنوك الأوروبية) أن تقدم تخفيضًا في “سعر السهم أو السند” للديون حيث أن كل حامل لهذا السهم، لديه مبالغ ضئيلة من الديون اليونانية بالنسبة إلى أصوله، كما يمكن أن يتم ذلك دون أن يترتب على ذلك أي آثار على المودعين؛ ولكن بالتأكيد على حساب أرباح المساهمين.
في حالة لبنان، تمتلك البنوك حيازات كبيرة من الدين العام تصل إلى 14٪ من أصولها، و64 ٪ من إجمالي القروض المصرفية. وهو ما له أهمية كبيرة، وسيكون له تأثير على المودعين، ويمكن أن يخلق معركة قانونية.
علاوة على ذلك، فإن السياسيين ورجال الأعمال البارزين ذوي النفوذ سيتأثرون بشكل ملموس، الأمر الذي يدفعهم بدوره إلى عرقلة مثل هذه الخطوة، حيث تشير التقديرات إلى أن توزيع حيازة الودائع المالية مُنحرف بشكل كبير في لبنان، حيث يمتلك 1٪ من المودعين حوالي 50٪ من الودائع بالدولار.
تعد، تخفيضات الديون، مسألة خطيرة ويتم اللجوء إليها عندما تكون الدولة على شفا التخلف عن السداد أو التخلف الفعلي، ولكن لبنان ليس ضمن هذه الفئة الآن للأسباب التالية:
• أولا بالنسبة للديون: يتم إصدار معظم ديون لبنان بالعملة المحلية (60 ٪)، وأغلبها للمؤسسات المالية الوطنية، وهي كالتالي: البنك المركزي 45 ٪، البنوك التجارية 40 ٪، والمؤسسات العامة 9٪ ، المؤسسسات اللبنانية 3٪، أما حاملي الديون الخاصة غير المصرفية، فهم يمتلكون فقط 3٪ من إجمالي الديون، ويتم تقسيمهم بين الأجانب والمواطنين.
• ثانيًا بالنسبة للخطورة: يمكن أن تنشأ مخاطر الديون من مخاطر السوق بشكل أساسي، حيث تمثل البنوك والجهات الأخرى غير المصرفية الخاصة 43٪ من إجمالي الديون ، منها 16 مليار دولار مقومة بالعملات الأجنبية (بالكامل تقريبًا بالدولار الأمريكي)، وتمثل 20٪ فقط من إجمالي الدين. وبهذا تصبح نسبة ديون السوق إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل بكثير من 55 ٪، مما يقلل من مخاطر التخلف عن سداد الديون.
نظرًا لأن الديون السيادية هي إحدى الأدوات الرئيسية المُدرة للدخل بالنسبة للبنوك، بالإضافة إلى القيود المفروضة على الاستحقاقات، فإن الطرح المُفاجئ للأوراق المالية الحكومية لا يعتبر تهديدًا فوريًا. كما أن ما يمتلكه القطاع الخاص الأجنبي من ديون أقل من 1.3 مليار دولار أمريكي، وله تأثير محدود على الأسواق المحلية والدولية في حال قاموا بخصم واسترداد ممتلكاتهم.
علاوة على ذلك، فإن التدفقات الخارجية والمفاجئة لرؤوس الأموال من لبنان ليست ممكنة من الناحية الفنية بسبب الاستحقاقات وقيود حركة الأموال.
الوضع الحالي لا يُنذر بأي إنهيار مالي أو أزمة، حيث يمكن للحكومة أن تسدد ديونها، بالعملة اللبنانية ودون صعوبة، بالطبع مع وجود مخاطرة بسبب ارتفاع التضخم. ولكن في حالات الطوارئ، يمكنها أيضًا سداد ديونها المُستحقة باليورو، بالعملة المحلية.
هذا ينطوي على عواقب غير مرغوب فيها، ولكن من المحتمل أن تكون أفضل من الإفلاس الكامل. خاصة عند الوضع في الاعتبار أن احتياطيات البنك المركزي تصل إلى ما قيمته (45 مليار دولار) وهو ما يعادل ديون السوق مرتين ونصف في سندات اليورو، وهو ما يجعل هذه المخاطر مُخففة تمامًا.
ومع ذلك، فإن حاجة الحكومة للإصلاح الاقتصادي مُلحة للغاية، فيمكن أن يؤدي تعاظم النظرة المتدهورة للحالة المالية، إلى تعديل إجباري للسوق، وهو ما يمكن أن يتم الكشف عنه، من خلال انخفاض قيمة العملة وفك ارتباط العملة اللبنانية بالدولار.
من المهم أيضًا متابعة الإصلاح من أجل تحقيق نمو متوازن وخلق فرص عمل لشبابنا المُتعطل عن العمل والحد من عدم المساواة الاقتصادية، والتي من المرجح أن تتفاقم في مرحلة الركود. يمكن أن يبدأ الإصلاح في المناطق الأقل إثارة للجدل نسبيًا، مثل قطاع الطاقة.
ومع الاستفادة من قوة الإئتمان الإيجاري من المُنتجين الدوليين إلى جانب اتفاقيات شراء الطاقة وتعديل التعريفة الجمركية يمكن أن يوفر الاقتصاد 2.5 مليار دولار سنويًا، بما في ذلك خفض العجز بمقدار الثُلث. يبقى الأمل في أن تعالج الحكومة الجديدة قضايا الإصلاح بجدية.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى