اقتصاد الطاقةالنشرة البريديةدولياتمقالات رأي

خفايا ملف استيراد الغاز بين مصر وإسرائيل !!!

المملكة المتحدة-لندن

في بداية 2019 أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز إن إسرائيل ستبدأ تصدير الغاز إلى مصر ”خلال أشهر قليلة“، في خطوة رئيسية ضمن خطط إسرائيل الرامية لبيع إنتاجها المتزايد من الغاز في الخارج وتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع دول الجوار حسب وكالات الأنباء..

قال وزير الطاقة إنه من المتوقع أن تصل صادرات الغاز الإسرائيلية لمصر إلى سبعة مليارات متر مكعب سنويا على مدى عشر سنوات، مضيفا أن من المنتظر استخدام نصف الصادرات تقريبا في السوق المحلية المصرية، على أن يتم تسييل النصف الآخر لإعادة تصديره وهذا هو الموقف المصري الرسمي.

مؤيدو الاتفاق يقولون ان ذلك سيقوي السلام وروح التعاون بين البلدين.

الخطة المصرية باختصار تتضمن استيراد الغاز الطبيعي الإسرائيلي الذي سيمر بمراحل التسييل ثم تصديره لدول أخرى. نظريا يبدو الأمر سهلا. ولكن السؤال السريع الذي يتبادر للذهن ما هي الفائدة من هذه الخطوة بعد اكتشاف حقل غاز “ظهر” العملاق في المياه الإقليمية المصرية؟

يحتوي حقل “ظهر” على 30 تريليون قدم مكعب من الغاز وسينتج ما يكفي لتغطية احتياجات مصر من الغاز.

وأُبرم الاتفاق بين شركة دولفينوس هولدينغ (شركة مصرية خاصة) وشركتي ديليك دريلينغ و نوبل إينرجي الإسرائيليتين، في فبراير/شباط الماضي، بحيث يصدر الغاز الإسرائيلي من حقلي تامار و ليفياثان البحريين بقيمة 15 مليار دولار.

اكتشف حقل تامارعام 2009 وبدأ التشغيل الفعلي عام 2013 وتقدر الاحتياطيات بما يزيد عن 7.5 تريليون قدم مكعب. أما حقل ليفياثان البحري يحتوي على 22 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

بموجب الاتفاق ستصدر إسرائيل لمصر كمية إجمالية قدرها 64 مليار متر مكعب من الغاز على مدى عشر سنوات.

السؤال المطروح لماذا تحتاج مصر إلى الغاز الاسرائيلي في الوقت الذي تنتج فيه ما يكفي حاجتها؟ وحسب وسائل الاعلام قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ان مصر تطمح لأن تصبح مركزا إقليميا للطاقة شرق المتوسط. وتشمل الخطة المصرية استيراد الغاز من قبرص ولبنان واسرائيل ثم اعادة تصدير كميات واستغلال كميات أخرى في الصناعات المصرية.

وكانت مصر تبيع الغاز لإسرائيل بأسعار أقل من السعر العالمي قبل أن تتوقف عملية التصدير عام 2012 بسبب أعمال إرهابية و تخريبية في شبه جزيرة سيناء.

وتقوم شركة خاصة “دولفينوس” المصرية باعادة تأهيل أنابيب الغاز بين اسرائيل ومصر والتي توقفت عام 2012.

ويُرجح أن تتم عملية تسييل الغاز الإسرائيلي في مصنعي تسييل يقعان في مدينتي “إدكو” و”دمياط” شمالي مصر، وهما المنشأتين الوحيدتين من هذا النوع في شرق البحر المتوسط.

 صفقات تثير الجدل

ومن الجدير بالذكر ان إسرائيل اكتشفت مخزونات كبيرة من الغاز منذ أوائل الألفية الثالثة، ووقعت صفقات لتصديرها إلى مصر والأردن. ومن المتوقع أن يزيد إنتاجها، الذي يبلغ حاليا نحو 10.5 مليار متر مكعب، ليرتفع إلى 27 مليار متر مكعب في 2021.

وأضاف  وزير الطاقة الاسرائيلي آنذاك أن إسرائيل تأمل بتوقيع اتفاق لبناء خط أنابيب شرق المتوسط ”خلال أسابيع قليلة“. ويبلغ طول خط الأنابيب 2000 كيلومتر وسيمتد من إسرائيل وقبرص إلى اليونان وإيطاليا.

وقال شتاينتز،”تصدير إسرائيل للغاز الطبيعي إلى العالم العربي وكذلك إلى أوروبا أمر كان يبدو حلما أو خيالا منذ عشر سنوات أو 15 عاما فقط“.

وفي سبتمبر أيلول 2018 اشترت شركات إسرائيلية ومصرية حصة نسبتها 39 بالمئة في خط أنابيب شرق المتوسط، لتمهد الطريق أمام بدء تنفيذ الصفقة.

وقال الشركاء في حقلي الغاز البحريين تمار وليفياثان إنهم سيوردون نحو 64 مليار متر مكعب من الغاز إلى شركة دولفينوس القابضة المصرية الخاصة على مدى عشر سنوات في إطار الصفقة.

وأثارت الصفقة جدلا في مصر، التي كانت تصدر الغاز لإسرائيل حتى سنوات قليلة مضت.

وتأمل مصر بالاستفادة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وبنيتها التحتية المطورة بشكل جيد لتصبح مركزا رئيسيا لتجارة وتوزيع الغاز في المنطقة وخارجها.

وحققت مصر سلسلة من الاكتشافات الكبرى في السنوات الأخيرة، ومن بينها حقل “ظُهر” أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط، لكنها تحتاج أيضا إلى تلبية الطلب المحلي المتزايد سريعا.

اكتفاء ذاتي

وفي تطور حديث كشفت تقارير إسرائيلية اوائل شهر يونيو حزيران الحالي عن بدء الضخ التجريبي للغاز الطبيعي إلى مصر..

بدأ حقل تمار الاسرائيلي إنتاج الغاز في 2013، ومن المتوقع أن يدخل لفياثان حيز التشغيل بحلول نهاية 2019.

وكانت إسرائيل تشتري الغاز من مصر، لكن أجزاء من الأنابيب التي تمر فوق الأرض في سيناء تعرضت لهجمات متكررة خلال عامي 2011 و2012 ما أدى إلى توقف التصدير، الذي تم بمقتضى اتفاق أبرم عام 2005، وتضمن إمداد شركة الكهرباء الإسرائيلية بنحو 1.7 مليار متر مكعب سنوياً لمدة 20 عاما.

ويأتي بدء الضخ التجريبي للغاز الإسرائيلي إلى مصر، بعد نحو 6 أسابيع من تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز، التي قال فيها إنه قد تجرى تسوية دعوى تحكيم مع مصر بشأن توقف ضخ الغاز المصري إلى إسرائيل، مضيفا في مقابلة مع وكالة رويترز آنذاك أن “ثمة تفاهماً نهائياً بالفعل”.

وفي عام 2015، أمرت غرفة التجارة الدولية مصر بسداد تعويض قدره 1.8 مليار دولار لشركة كهرباء إسرائيل المملوكة للدولة بعد توقف التصدير المصري. وطعنت مصر على القرار ولم يجر التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، لكن شركة كهرباء إسرائيل قالت إنها اقتربت من التوصل إلى اتفاق تُسدد بموجبه مصر 500 مليون دولار على مدى ثمانية أعوام ونصف العام.

وقال مسؤولون مصريون آنذاك إن التحكيم قد يعطّل اتفاقات تجارية، في إشارة إلى استيراد الغاز من إسرائيل، وذلك على الرغم من إعلان الحكومة المصرية بشكل متكرر أن القطاع الخاص هو من يقوم بالاستيراد وليست الحكومة، فيما ترى اسرائيل أن مصر سوق مهمة لتصدير الغاز الذي اكتشفته حديثاً.

ويأتي استيراد مصر للغاز من إسرائيل، رغم التصريحات من القاهرة بشأن زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبدء التصدير فعليا خلال العام الجاري.

وعرضت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس” في مايو/أيار الماضي 13 شحنة من الغاز الطبيعي المسال للتحميل من ميناء إدكو (شمال) خلال شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، وفق ما نقلت وكالة رويترز عن مصادر بصناعة الغاز.

وأعلن وزير البترول طارق الملا، في يناير 2019، تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز بفضل الاكتشافات الجديدة، التي كان أبرزها حقل “ظهر” في البحر المتوسط (شمال) المستهدف أن تصل معدلات إنتاجه بنهاية العام الحالي إلى أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة، ويتوقع أن يوفر نحو 40 في المائة من إنتاج مصر من الغاز.

ويبلغ إجمالى الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعي أكثر من 6.6 مليارات قدم مكعبة يومياً، ومن المتوقع أن يصل إلى 6.8 مليارات قدم مكعبة بنهاية 2019، وفق وزارة البترول.

 مركز توزيع وإعادة تصدير

تطمح مصر ان تصبح مركزا هاما اقليميا وربما دوليا لاستيراد وتصدير الغاز.

الاضطرابات السياسية والأمنية التي عصفت بالدولة عام 2011 تركت اثرا سلبيا على الوضع الاقتصادي. حيث بحلول 2013 عجزت الدولة عن تسديد بين 6 و 7 مليارات دولار من الديون المستحقة الشركات والنفط والغاز الأجنبية.

وتراجع الإنتاج ولم يكن كافيا لتلبية الحاجة المحلية وبدأت مصر باستيراد الغاز بدل تصديره. في عام 2014 أنتجت مصر 48.7 مليار متر مكعب واستهلكت 48 مليار. وفي عام 2015 بدأت تستورد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الحاجة المحلية. وباتت أولويات القاهرة هي رفع الإنتاج وتم تحقيق بعض التقدم حيث ارتفع الإنتاج عام 2017 لأول مرة منذ سنوات. وكان مشروع شركة بريتيش بتروليوم شمال الإسكندرية الفضل في رفع الإنتاج بواقع 700 ألف قدم مكعب يوميا اعتبارا من 2016 ولكن هذا لم يكن كافيا لتغطية العجز في الغاز واستمر الاستيراد لتفادي انقطاع الكهرباء.

وهناك خطط لاستغلال آبار أخرى مثل حقل نوروس الذي تديره شركة ايني الايطالية. بالاجمال ارتفع الإنتاج المصري بواقع 50% عام 2018 و 100% عام 2019.

هل تستطيع مصر ان تصبح مركز توزيع هام؟

تم توقيع اتفاقيات مبدئية مع قبرص لضخ الغاز من حقل “أفروديت” لمصر ومن إسرائيل. مصر تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي هام ولعشر سنوات كانت تزود الغاز للدول المجاورة.

حقل “ظهر” قلب المعادلة في صالح مصر ولكن لتصبح مركز توزيع عالمي هناك قواعد وشروط يجب الالتزام بها. مثل تبني مباديء الشفافية والكفاءة والتجارة الحرة وتنظيمات قوية للأسواق وبنية تحتية قوية وتحرير السوق من القيود. ولدى مصر الآن محطتين كبيرتين لتصدير الغاز المسال.

التحدي الكبير لتحقيق هذا الهدف هو عدم تواجد كميات كبيرة فائضة عن الحاجة وحسب مصادر أسواق الطاقة العالمية أن 30 مليار متر مكعب من الغاز الذي تستهلكه مصر سنويا يذهب لتوليد الكهرباء ومن غير المتوقع ان يتغير هذا الرقم في العشر سنوات المقبلة وستواصل مصر اعتمادها على الغاز الطبيعي في المستقبل المنظور لتوليد الطاقة وتلبية الاستهلاك المحلي.

اخترنا لكم

إغلاق