إقتصاداخترنا لكماقتصاد الطاقةدولياتمقالات رأي

خفايا عملية الاكتتاب في أسهم “أرامكو” وماذا عن دور الصين؟

المملكة المتحدة - لندن

مازال الغموض يكتنف عملية طرح أسهم شركة أرامكو السعودية في البورصة. فعلى الرغم من إعلان الشركة مؤخرا عن خططها إلا أنها لم تفصح إلا عن بعض التفاصيل التي لا تكشف الوضع المستقبلي للشركة النفطية الكبرى . هذا في الوقت الذي برز فيه تباين حاد في تقييم الخبراء للقيمة السوقية للشركة ما بين 1.2 تريليون و2.3 تريليون دولار أمريكي.

من هذا المنطلق يمكن القول بأن الشركة الأعلى ربحية في العالم والمعروفة محليا بـ “جوهرة التاج السعودي” قد أطلقت الطلقة الأولى في عملية طرح عام أولي محلي بعد نحو ثلاثة أعوام من التردد لكن المستثمرين الأساسيين لازالوا على غير دراية بالتفاصيل الأساسية كحجم الحصة التي تبيعها الشركة وتوقيت البيع. فما السر وراء هذا النوع من الضبابية والتعتيم من قبل المملكة حول مستقبل العملاق النفطي وإلى أي مدى سوف يؤثر ذلك على مسألة اجتذاب المستثمرين وربما هروبهم وما مدى تأثير الهجوم الأخير الواقع على منشآت الشركة في سبتمبر الماضي على ثقة المستثمرين في الشركة خاصة أن هناك من يعتقد بأن قرار الاكتتاب يهدف في شق منه إلى تمويل المدينة السعودية المستقبلية “نيوم”.

في هذا السياق يتحدث الدكتور ناصر قلاوون الخبير المالي والاقتصادي من لندن عبر شبكة “DW” الالمانية قائلا، إن جزء كبير من الغموض الذي يكتنف عملية اكتتاب أرامكو يعزو في الأساس إلى أن حسابات الشركة وكثير من عملياتها وأرباحها الضخمة قد تم افتتاحها منذ فترة قصيرة مما جعلها مصدر إغراء كبير بالنسبة للمستثمرين، ولكن بالطبع هناك بعض التحديات المتمثلة في توقيت الطرح الأولي للأسهم في السوق الذي ربما يدعو إلى التردد لبعض الأسباب التي لها علاقة بتقييم الخبراء من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأمر يتعلق بمسألة الاستحواذ على 75% من أسهم مجموعة سابك للبلاستيك والبتروكيماويات. إذًا، فإن قرار طرح الاكتتاب كان له العديد من الترتيبات والظروف إلى جانب الوضع العام للسوق العالمي.

ولكن ما يلاحظ الآن هو أن صناع القرار في المملكة قرروا أن يكون الطرح الأولي على الصعيد المحلي وبالتالي يتمكنون من غض النظر عن العرض المقدم من دولة الصين ببيع 5% من الأسهم، والذي من شأنه أن يمنح أسهم الشركة قيمة سوقية أكبر، ولكن ربما تردد الأمير محمد بن سلمان نظرا للظروف الراهنة في أسواق الأسهم العالمية شرقا وغربا.

وفيما يتعلق الأمر برغبة المملكة بأن يكون الطرح محليا في المقام الأول قبل القيام بالطرح الدولي، فإن ذلك يخدم المصالح الوطنية السعودية في الأساس، وذلك بالرغم من كون سوق التداول هو أمر حديث نسبيا في الأسواق الصاعدة، إلا أنه يعطي دفعة لكبار تجار وأثرياء المملكة للسعي نحو حيازة بعض الأسهم في شركتهم الوطنية الأكبر عالميا في سوق النفط. كما يمكن النظر إلى الأمر ايضا باعتباره بالون اختبار للأسواق الدولية ولعل ذلك يعد خطوة آمنة لصالح الشركة إلى حد كبير.

بالعودة للحديث عن العرض المقدم من الصين بشراء 5% من أسهم أرامكو، فقد لوحظ بعض التردد في المملكة تجاهه وذلك على الرغم من الفائدة المالية الكبيرة التي من شأنها أن تتحقق في حال تم قبول العرض الصيني، ولكن من ناحية أخرى، فإن قيام بعض الصناديق السيادية في الصين بشراء تلك الأسهم قد لا يكون مشجعا لبعض الجهات التجارية الأخرى، لأن الصفقة ستتحول في تلك الحالة إلى علاقة ثنائية من جهة سيادية إلى جهة سيادية أخرى وبالتالي لن يكون هناك مجال كبير للشفافية. وبالتالي فإن قرار الذهاب إلى الأسواق السعودية أولا ثم الأسواق الدولية فإنه يخدم المصلحة الوطنية أولا ويمنح صناع القرار السعودي فرصة كافية لاتخاذ القرار فيما يتعلق بالشأن الدولي لاحقا.

على الرغم من تشكك البعض في نية الصين في شراء الأسهم واحتمالية تراجعها عن العرض المقدم من جانبها، إلا أن جميع المؤشرات تؤكد على الرغبة الصينية الحتمية في اتخاذ خطوات جادة في مجال الاستثمار في أسواق الطاقة السعودية. وبخاصة أن الاستراتيجية الصينية تركز على مبدأ التوغل والانتشار عالميا.

أما عن الوضع الأمني المستقبلي لشركة أرامكو في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة فيعد ذلك مصدرا للقلق بالطبع من قبل المستثمرين الراغبين في شراء الأسهم، أما المستثمرون كالجهات التجارية السعودية والعملاء السعوديين فيركزون في الواقع على الأمور البعيدة المدى الأكثر ضمانا والمعبرة عن مستقبل الشركة على المدى الطويل

ربما يتساءل البعض عما إذا كانت طبيعة ملكية الشركة- والمملوكة بالكامل للعائلة السعودية الحاكمة- تعد مصدر قلق أم طمأنة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، فالشواهد جميعها تؤكد على الاهتمام الدولي الكبير من قبل الدول الكبرى في العالم بمسألة طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام، فقد أعقب إعلان الأمير محمد بن سلمان عن نية المملكة في بيع جزء من أسهم الشركة في حدوث أصداء كبرى في لندن وأعربت تيريزا ماي عن رغبة المملكة المتحدة في الاستثمار في الأسواق السعودية مؤكدة على تعديل القوانين التجارية في لندن بما يسمح بإتمام تلك الصفقة، والتي من شأنها تحقيق الكثير من الأرباح المستقبلية.

وبالحديث عن التباين الحاد في تقييمات الخبراء لقيمة الأسهم المطروحة للبيع، تكثر التساؤلات عما إذا كان ذلك الأمر من شأنه التأثير على الوضع العام للشركة خلال شهر ديسمبر باعتباره نهاية للعام الجاري أو حتى خلال العام المقبل فإنه تجدر الإشارة إلى أن هناك 20 بنك دولي يشتغلون على مسألة تقييم وتقدير القيمة السوقية للأسهم ويقومون بتقديم نصائحهم للقيادة السعودية. ان التقديرات المقدمة من البنوك الدولية لا تتفق مع القيمة التي حددها الأمير محمد من سلمان والتي تقدر بـ 2 تريليون دولار، وربما يرى البعض أن ذلك من شأنه التأثير على رؤية ولي العهد 2030 ولكن من الأرجح إن ذلك لن يؤثر على الخطة المستقبلية للمملكة على المدى القصير وذلك نظرا لأن الربحية مؤكدة في عالم الاستثمار النفطي على الرغم من الطبيعة المعتادة للأسهم والتي تتصف بالتفاوت والتراجع ما بين الحين والآخر.

بالتالي فإن الشركة الأعلى ربحية في العالم ستظل قادرة على تأمين أوضاعها المستقبلية بصورة أفضل مقارنة بالشركات النفطية العالمية الأخرى مثل بريتش بتروليم وغيرها.

*منقول عن شبكة “DW” الألمانية بعد موافقة صاحب المقالة

اخترنا لكم

إغلاق