اقتصاد الطاقةمقالات رأي

حروب الغاز الطبيعي في حوض البحر المتوسط ولماذا تم استثناء لبنان من منتدى غاز شرق المتوسط؟

لبنان واسرائيل
لبنان بأمس الحاجة للطاقة، ويعاني من أزمات اقتصادية ومديونية باهظة، لكن الخلافات الاقليمية وحالة التخبط الداخلي أدتا الى اهمال موضوع استغلال ثرواته النفطية المتوفرة في مياهه الاقليمية على مدى السنوات الماضية. مصدر القلق والتوتر الآن هو عزم اسرائيل على استغلال الغاز من المناطق التي يقول لبنان انها تابعة له.
النزاعات البحرية بين لبنان واسرائيل ليست جديدة، فمنذ عدة سنوات تقول اسرائيل إن لبنان خرق التفاهمات المتعلقة بالوضع القائم بدعوته الشركات من اجل التنقيب في مناطق متنازع عليها. يتركز الخلاف حول مساحة بحرية مساحتها 800 كم مربع، وكلا الطرفين يؤكدان ان لهما الحق في استغلال هذا المثلث. ولم تحاول اسرائيل اخفاء نواياها واستعدادها للجوء إلى القوة العسكرية اذا لزم الأمر، حيث هدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، باستعمال القوة للسيطرة على المناطق البحرية قبالة حدود غزة ولبنان بهدف استغلال الثروات النفطية. وحسب دراسة سابقة لادارة النفط في لبنان، تبين أن البلوك رقم 9 (وفق الخريطة اللبنانية) يحتوي على مكامن نفط وغاز يمكن أن تشكل امتدادًا لحقل كاريش الإسرائيلي، وبالتالي فإن التداخلات ونقاط التماس الجغرافية خلقت الفرص للنزاع، وهذا ما تقوم اسرائيل باستغلاله. النزاع الاسرائيلي اللبناني يتمحور حول بلوك 9 الذي يحتوي على احتياطات كبيرة من الغاز والنفط. لبنان تتهم اسرائيل باستهداف مصادر الثروة الطبيعية اللبنانية. وكلاهما يقول ان المنطقة البحرية التي تحتوي بلوك 9 تابعة لها.
وقعت لبنان ترخيصات لأعمال اكتشاف وانتاج لبلوك 9 وبلوك 4 مع كونسورتيوم أو ائتلاف دولي بقيادة شركة توتال عملاق الطاقة الفرنسية وايني الايطالية ونوفاتيك الروسية وهذه الشركات جاهزة للعمل بعد ان يتم تسوية النزاعات القائمة بين لبنان واسرائيل. وجاء في تقرير لصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية الشهر الماضي ان توتال الفرنسية تعرضت لانتقادات شديدة من اسرائيل لرفضها الاستثمار في قطاع الطاقة الاسرائيلي. والجدير بالذكر أن ارتفاع التوترات والتهديدات أجبر توتال على تأجيل عملياتها في المياه الاقليمية اللبنانية.
لذا يبدو ان مفتاح الحل يكمن في ايجاد صيغة توافقية بين اسرائيل ولبنان حول بؤر النزاع والاختلاف واذا استمر هذا النزاع لن يستفيد لبنان من ثرواته.
وحسب تقرير نشره موقع “موديرن ديبلوماسي” الأميركي فقد دخل لبنان في اتفاقات تنقيب وانتاج مع كونسورتيوم بقيادة شركة توتال الفرنسية وهناك ايضا تعاون مع النرويج في امور تقنية وقانونية.
واستكمل لبنان إنشاء شبكة خاصة باستيراد الغاز الطبيعي المسال للإنتاج المحلي للكهرباء الذي يعد من المشاكل الأساسية التي تواجهها البلاد.
ويوضح التقرير أن استخراج النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط يتطلب درجة عالية من التعاون بين جميع الأطراف المعنية، لكن هذه الثروة نفسها تخلق انقسامات جديدة بين الدول وتغذي التوترات القديمة. وقبل أيام حذرت لبنان جيرانها حول البحر الأبيض المتوسط أن خط انابيب الغاز المخطط له من اسرائيل الى الاتحاد الأوروبي يجب ان لا ينتهك حدود لبنان البحرية.

استثناء لبنان من منتدى غاز شرق المتوسط
وفي فبراير شباط الماضي دشن وزراء الطاقة المصري والقبرصي واليوناني والإسرائيلي والإيطالي والأردني والفلسطيني، رسميا “منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)”، كمنظمة دولية تتخذ من القاهرة مقرا للمنتدى. والسؤال لماذا لم تشارك لبنان في هذا المنتدى او لماذا تم استثناء لبنان؟ ومن الواضح أن هذه التوترات تؤثر أيضا على لبنان، حيث لا يزال العديد من القادة يعتقدون أن المنتدى الجديد الذي يستثني لبنان يستهدف بلدهم. ويرى التقرير ان لبنان قادر على تصدير الغاز الطبيعي لأوروبا. الخلافات مع اسرائيل والخلافات السياسية داخل لبنان ذاتها اعاقت وعرقلت استثمار الثروات الطبيعية في البحر الأبيض المتوسط.

وتركيا تستعرض عضلاتها في البحر الأبيض المتوسط
بتاريخ 21 فبراير شباط الماضي أعلن وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، أن بلاده ستبدأ التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي بالقرب من قبرص في الأيام القليلة المقبلة.
ووجه تشاووش أوغلو رسالته إلى الدول التي تسعى للهيمنة في شرق البحر المتوسط، موضحا: “لندع أولئك الذين أتوا إلى المنطقة، ومعهم شركاؤهم يرون أنه لا يمكن أن يحدث شيء هناك بدوننا.. ولن نسمح بذلك”.
وفي اوائل يناير كانون الثاني 2019 أرسلت تريكا سفينة تدعى “ديسي ميترو 1 للتنقيب عن النفط شرقي البحر الأبيض المتوسط بالقرب من قبرص وهي ثاني سفينة تقوم بالمهمة بعد سفينة “فاتح” الوطنية.
وفي حوض البحر الأبيض المتوسط تستعرض تركيا عضلاتها للسيطرة على مصادر الغاز الطبيعي الكامنة في أعماق البحر. وحسب تقارير اعلامية فان مشروع ممر الغاز الجنوبي الذي تقدر تكلفته ب40 مليار دولار وهو مشروع طموح يشمل 11 شركة و7 حكومات وهو اكبر مشروع بنية تحتية ويغطي مسافة 3500 كم، سينقل الغاز من بحر قزوين مرورا بآزربيجان وجورجيا وتركيا واليونان والبحر ألأدرياتيكي الى جنوب ايطاليا ومن هناك للتوزيع للاسواق الأوروبية.
ومنذ 2008 تلقى المشروع دعم الاتحاد الأوروبي كهدف حيوي استراتيجي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي وبتمويل من الاتحاد الأوروبي اضافة الى تمويل دولي وقروض من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. ومن الجدير بالذكر ان السعودية والامارت هما عضوان في هذا البنك.
وتركيا ستستفيد من الرسوم والجمارك لأن خط الأنابيب سيمر عبر أراضيها. وتركيا لا تخفي طموحها ان تصبح مركزا دوليا كبيرا لتوزيع الغاز ومما لاشك فيه ان هذا سيقلل اعتماد تركيا على الغاز الروسي الذي يغذي 55% من الاستهلاك التركي. وحسب ارقام وكالة الطاقة الدولية فان كمية الغاز التي سينقلها ممر الغاز الجنوبي ستكون بحدود 16 مليار مترمكعب سنويا مقارنة مع 194 مليار متر مكعب من الغاز الروسي الذي استوردته كتلة الاتحاد الأوروبي 2017.

التوترات والمواجهات لا تزال تهدد ثروات قبرص من النفط والغاز
وشهدت منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط اول مواجهة عام 2018 بعد تدهور العلاقات بين تركيا وقبرص اليونانية وكذلك مع اسرائيل ومصر.
حيث تم اكتشاف احتياطات كبيرة من النفط والغاز في المناطق البحرية المحاذية لقبرص وكان هناك أمل ان استغلال هذه المصادر سيحسن فرص التعاون والتقارب بين الدول المعنية ولكن ما حدث هوالعكس. تركيا تعارض محاولات قبرص استغلال الثروات الطبيعية من البحر بدون مشاورتها او موافقتها. وهناك نزاع منفصل بين تركيا واليونان وتهديدات متبادلة من خلال وسائل الاعلام.
وجاءت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى نيقوسيا عاصمة قبرص اليونانية في نوفمبر تشرين الثاني 2018 لبحث مشاريع الغاز ورسم الحدود بمثابة رسالة لتركيا ان مصر تقف مع قبرص. ولكن تركيا نظرت الى ذلك اللقاء بازدراء واعتبرته انه غير مهم ولن يغير شيئا. ولتعقيد الأمور أكثر اتفقت ايطاليا واليونان وقبرص اليونانية واسرئيل على مد خط انابيب غاز من الحقول المكتشفة. سيكلف مشروع أنبوب غاز شرق البحر المتوسط 6 مليارات دولار ويزيد طوله عن 2000 كم لنقل الغاز من حوض البحر المتوسط الى اليونان وايطاليا.
وسينقل خط انابيب الغاز تحت اعماق البحر من حوض ليفياثان الخاضع للسيطرة الاسرائيلية وبلوك 12 اليوناني المعروف بأفرودايت الى جزيرة كريت اليونانية ولأوروبا عن طريق اليونان.
وتم توجيه اتهامات لتركيا عام 2017 بانتهاك مياه قبرص الاقليمية واجواء اليونان. ويعرف حلف الناتو عن هذا الانتهاك من قبل احد اعضاء الحلف. ومن غير المحتمل أن يتدخل الناتو لنزع فتيل الأزمة . وماذا عن مصر الىي اخذت موقفا مؤيدا لليونان ونيقوسيا لأسباب يعتقد انها سياسية.؟
وحسب موقع “اويل برايس” كوم المختص بشؤون النفط والغاز وبتاريخ 7 يناير 2019 ان خط انابيب غاز شرق البحر المتوسط بين قبرص واليونان واسرائيل سيشعل ثورة في اقتصادات المنطقة وسيغير الصورة الجيوسياسية فيها. ويسعى هذا التحالف بين الدول الثلاثة في المشروع التقدم بحذر لتجنب المواجهة مع الدول التي تعارض المشروع.

نهاد اسماعيل
لندن

اخترنا لكم

إغلاق