إقتصادمقالات رأي

حتى لا نصل إلى نقطة اللاعودة: هل من مجيب؟

كلنا يعلم أن أكثرية التحركات الشعبية والتظاهرات في لبنان لا تحصل إلا بطلب مَن طَلَبْ. فالنقابات مُسيسة، والمجتمع المدني مشرذم (وقابل للتسيييس)، والمواطن ‘المعتر’ بما فيه العامل والمتعلم والمثقف يتقي شر بهدلة النزول إلى الشارع أصلاً. لذلك فإننا بصدق نستحلف من يعلم، أن يقول لنا من يحرك الشارع اليوم ولأي هدف؟ الأسباب لا يجب أن تخفى على أحد، ولو أن ما نعتقده يبقى في خانة التكهن.وصل لبنان مالياً إلى منطقة الموت المُحَتّم نتيجة تسييس كل شيء وتسييره على أساس طائفي. فقد تَقَوْلَب ذهن اللبنانيين عامةً، و السياسيين خاصةً على أن يقدموا المصلحة الذاتية والطائفية على مصلحة الوطن. وتبين أنه إذا لم تتخذ إجراءات معينة شاملة، بدءاً بتقليص الصرف، ستكون العواقب وخيمة؛ ربما ليس إعلان إفلاس البلد وإنما حتماً هزة إقتصادية ومالية وإجتماعية بدرجة ٨،٩ على مقياس ريختر.إذن، كان القرار بالعمل على تقليص المصروف من خلال “وضع موازنة تقشفية”. ولو أردنا أن نَصْدُق القول، وجب علينا أن نستخدم فقط تعبير “وضع موازنة”، أو على الأقل تعبير “وضع موازنة واقعية”. فالمشكلة هي ليس في الموازنة أيها الأصدقاء، بل في عدم وجود موازنة أصلاً منذ العام ٢٠٠٥، أو على الأقل وجود موازنة متضخمة نتيجة تحميلها المصاريف الإنتخابية والحياتية لجميع الأفرقاء. من التوظيف الفوضوي والتعاقد الذي يفوق حاجة القطاع العام، إلى مهاترات الكهرباء، الى التلكؤ في محاسبة وتحصيل حقوق الدولة من أصحاب المولدات والكسارات والمرامل ومافيات بيع المياه والأملاك البحرية لأننا كلنا نملك الأسهم في إحداها، الى تغنيج المصارف حتى الثمالة لأنها مصدر التمويل لما ينقص عن للخزينة، جميعها قد أوصلتنا إلى ما أوصلتنا إليه.عليه، وعندما أتت ساعة الحقيقة، طَرَح السؤال الكبير نفسه: من أين نقتطع؟ وبما أن المصروف موزع على الجميع، فإن أي اقتطاع كان لا بد أن يمس بمدخول أحد الأفرقاء والشعب الذي ورائه، وهنا حصل التصادم. قبل البحث الحقيقي في البنود التي سيطالها “التقشف”، سمعنا جميع الأفرقاء يتوافقون بقوة على ضرورة هذا التقشف، وعلى أنه سيكون هناك قرارات موجعة يجب علينا جميعاً أن نتحملها. ولكن عندما حزت المحزوزية ودقت ساعة الحقيقة عمل الجميع بمقولة “ليش نحنا مش هِنِّي؟”، وهنا حان الوقت لتحريك الشارع.ألم يحن الوقت ليعلم من يعلم أن تحريك الشارع في لبنان هو كاللعب بالنار؟ ألم يحن الوقت لنرى بعض النضوج الفكري والوطني في أفكار وأفعال الطبقة السياسية في لبنان؟ ألم يحن الوقت أن نتوقف عن الشريعة حول من ثقب قاع السفينة ونحاول أن ننقذها وننقذ أنفسنا من الغرق؟إذا كان قد أكد جميع السياسيين أنه لن يكون هناك مس برواتب الموظفين، وإذا كان لمعظم الموظفين مرجعية سياسية، فمن إذن يحرك الشارع؟ الإجابة هي أن تحريك الشارع هو خطوة إستباقية، “هزة عصا” بين الأفرقاء السياسيين حتى يعرف كل فريق أين حدوده وما هي الخطوط الحمر لدى الفريق الآخر في ما يتعلق بالموازنة وبالتقشف.هذه دائماً وجهة نظر قابلة للنقاش. ولكن الأهم اليوم ليس المجادلة حول مَن ثَقَبَ السفينة، وإنما ماذا يجب أن نفعله سريعاً جداً، ربما بسرعة البرق، حتى لا نغرق أو نصل إلى نقطة اللاعودة.فهل من مُجيب؟________________________________________• شارل س. صليبا هو مستشار وخبير في الإدارة وبناء القدرات – باحث وكاتب في شؤون التنظيم والموارد البشرية والقيادة، مؤسس ومدير عام شركة HR Works s.a.l.، عضو مؤسس ورئيس جمعية الإستشاريين اللبنانيين.

اخترنا لكم

إغلاق