إقتصاداخترنا لكممقالات رأي

جيش نابوليون جاع فاستعمل البسكوت… ماذا عن جيشنا الوطني؟

يكابد الجيش بحرب غير معلنة تستهدف حياته وحيويته خاصة عندما يكون الحديث عن الاحتياجات الاساسية ولا يقتصر الأمر على الرواتب والمخصصات التي هي الاخرى اصبحت عرضة للتجاذب السياسي بل يشمل ايضا المواد الغذائية والتموين حيث أطلق الجيش صرخات استغاثة لفك الحصار المالي المفروض من قبل الطبقة السياسية التي تضع اذن من طين واذن من عجين في مسلك اقل ما يمكن وصفه باللامبالاة الممنهجة وبالتالي اعادة خط الإمداد بالمواد الغذائية لكي يتمكن الجيش الوطني من فرض هيبته على كافة الأراضي اللبنانية.

عندما يجوع الجيش تجوع رمزية الدولة وتخفق في معركة استعادة صورتها البراقة أمام مواطنيها في الدرجة الاولى والمجتمع الدولي كما ودول الجوار من بعده وخصوصا عندما يصل الامر الى الاخفاق في التغذية مما يهدد الى كسر معنويات الجيش وهيبته.
ان هذا الإهمال غير المبرر يعزز الفرضية التي تقول ان ثمة رغبة مشبوهة لجعل الجيش الوطني الحلقة الأضعف في الحرب الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد وذلك لغرض في نفس الممول وهنا نتساءل من المستفيد يا ترى من إضعاف المؤسسة العسكرية التي صمدت في وجه كل العواصف من فجر الاستقلال حتى فجر الجرود مرورا بالحروب الاهلية والارهابية وما بينها

في الوقائع لقد قررت الشركات المولجة بتموين الجيش اللبناني بالتوقف عن إسناد المؤسسة بالمواد الغذائية بعد إرسال عدة مراسلات تطالب بموجبها الجهات الرسمية المعنية بتسديد مستحقاتها منذ سنة 2018 والتي بلغت حدود 60 مليار ليرة لبنانية أي ما يوازي 40 مليون دولار. ان واقعة حرمان الجيش من الطعام فضحت سوء إدارة السلطة التنفيذية على كافة الصعد أكان ذلك عمدا ام عن غير قصد وهنا يطرح السؤال: على ماذا اتكل المعنيين لكي يغضوا النظر عن تسديد المستحقات المالية للشركات الممونة؟ اليس من حق الشركات التجارية ان تستوفي مستحقاتها خاصة اذا كانت لحساب الجمهورية؟ ألم تدفع تلك الشركات المالية اللبنانية الضرائب على أرباحها لعام 2018 اضافة الى رسم القيمة المضافة وغيرها من التزامات سيادية؟ هل هذا هو النموذج المثالي الذي تريد السلطة ان تلبسه وتتحلى به امام اعين مواطنيها من جهة والدول الصديقة والبغيضة من جهة أخرى؟

طبعا ان الاجابة على تلك الأسئلة لا يحتاج الى منجمين وضاربين بالرمل بل الى رجالات دولة ممسكين بملفاتهم وملمين بتفاصيلها على ان يكونوا من الكفوئين واصحاب خبرة وباع طويل في المواقع التي يشغلونها يتحملوا مسؤولياتهم أمام مواطنيهم مدركين ان الاستقالة عند الخطأ هي ليست ترفا او خيارا بل واجبا وطنيا لكي يكونوا القدوة والمثال الذي على أساسه تبنى الأوطان وتفرض هيبتها على مساحة الكون.
من المؤسف ان ما ينطق به المنطق والعلم والممارسة السياسية العالمية لم ولن يطبقه سياسيوننا مرتاحين لتغييب منطق المحاسبة وتغليب منطق المحاصصة والتبعية لذا لا عجب ان تصل البلاد الى الحالة الاقتصادية و الاجتماعية المتهاوية التي وصلنا إليها أو بالحري أوصلتنا إليها الطبقة السياسية.

ايها العسكري الشريف في الامس أراد السياسيون ان يظهروا لمؤسسات الرقابة العالمية التزامهم بتخفيض العجز في الموازنة لذا عوضا عن المبادرة تجاه وقف الهدر والفساد والتهرب الضريبي والاملاك البحرية والنهرية وغيرها وغيرها فضلوا عدم المساس بها كونها مزاريب تدرعليهم وعلى اتباعهم بالملايين لا بل بالمليارات وذهبوا باتجاه اقتطاع من مخصصات العسكريين من طبابة وتعليم ومعاشات تقاعد عالمين ان الشرف العسكري يحتم على الذين خدموا ويخدمون العلم سوف يقبلون التضحية بمكتسباتهم المادية والمعيشية هذه المرة لتحيا الموازنة هم الذين لم يتوانوا بأرواحهم زودا عن وطنهم.

ان ما حصل مع المؤسسة العسكرية هو أمر مستغرب ومرفوض إنما ليس بجديد بل إذا قمنا بنظرة شاملة على كيفية تعاطي الدولة لناحية التزاماتها المالية تجاه بعض الدوائر الحكومية من جهة والمؤسسات الخاصة من جهة اخرى نرى ان الوضع شبيه تماما حيث ان مالية الدولة مطالبة من قبل المستشفيات الخاصة بتسديد فواتير الضمان المتراكمة منذ فترة طويلة مما حدا بتلك المؤسسات بالتلويح بعدم استقبال مرضى على حساب الضمان. ايضا يتوجب على الدولة تسديد مستحقات شركات الخليوي الناتجة عن استعمال الهواتف المحمولة من قبل موظفين ومسؤولين في كافة الإدارات العامة دون ان نستثني المقرات الحكومية وشبه الحكومية. ان اللائحة طويلة وطويلة جدا لذا من المفيد ان استطرد واذكر حساب الضمان الاجتماعي مع الحكومة اللبنانية وما ادرانا بتلك الحساب وحساب شركة طيران الشرق الاوسط مع وزارة الخارجية والمغتربين وغيره من حسابات غير مسددة..

علم ان الرئيس عون في الجلسة السابقة للحكومة سأل نيابة عن المقاولين والمستشفيات والضمان لماذا لا تدفع مستحقاتهم، وكذلك موردي الأغذية، طالباً من وزير المال تقديم تقرير فصلي يعرض الواقع المالي للدولة من النواحي كافة لا سيما الإيرادات والمدفوعات والمستحقات. وبحسب المعلومات فإن الوزير خليل ردّ بأن كل المستحقات ستدفع على دفعات وكل الملفات المشابهة ستعالج لكن الأمور تأخذ وقتاً، أي حسب توفّر السيولة في هذا الظرف المالي العصيب في البلد. بناء عليه تقرر دفع مستحقات متعهدي الأغذية للجيش، وأنه تم فتح اعتماد صرف مبلغ 16 مليار ليرة لصالح الجيش على ان يتم صرف ما تبقى من العام 2018 خلال اليومين المقبلين.

ختاما، اتمنى على رجالات الدولة في هذا الظرف ان يعودوا الى ضمائرهم ويتصرفوا كما وعدونا بترك أثر طيّب في حياة الناس،وعبرا في القوّة، والعَزم، والحكمة، كما كانت العهود البراقة وهنا اسمحوا لي ان أذكر على سبيل المثال لا الحصر عهد هارون الرشيد الذي عرف بالارتقاء بالعلوم، والفنون، والآداب وكثرة الأموال حتى بلغت ما مقداره 400 مليون درهم، لتشكل أعلى مبلغ في تاريخ الخلافة، وقد كانت تنفق بصورة تخدم الأمة فتم بناء الأحواض، وحفر الأنهار، وشَق الطرق، وبناء المساجد، والقصور الفخمة، والمباني الجميلة فنمت الدولة، واتّسع عمرانها، وازداد عدد سكّانها حتى أصبحت بغداد أكبر مركز للتجارة في الشرق في عهده.

على امل ان تغدو “ست الدنيا” بيروت اليوم مثل بغداد هارون الرشيد فتعود لتحتل مركزها على الخريطة العالمية كونها ” سويسرا الشرق” وأن تمتلئ اهراءات مرفئها بالسلع والمواد الغذائية وتكتظ شوارعها واسواقها بالسواح من قارات العالم الخمس فتعود الحياة للطبقة الوسطى المحفزة للاقتصاد ويعود الاقتصاد بلعب دوره في خدمة الوطن والمواطن وليس العكس،… والسلام

اخترنا لكم

إغلاق