إقتصاد

تقييم قاعدة البيانات الاقتصادية اللبنانية

أصدرت الديلي ستار تقريرا عن تقييم قاعدة البيانات الاقتصادية اللبنانية جاء فيه:

من المعروف على نطاق واسع أن البيانات في لبنان مفقودة، ويصعب الوصول إليها حتى في الحالات التي توجد فيها، من خلال مقارنة قاعدة البيانات الاقتصادية في لبنان وتواتر نشرها مع تلك الخاصة بالولايات المتحدة.
يتم نشر المؤشر الاقتصادي الأكثر شعبية، -الناتج المحلي الإجمالي -، مع تأخر زمني مهم في لبنان، في عام 2018، نشرت الإدارة المركزية للإحصاء في لبنان حسابات البلاد لعام 2016، ويعتبر هذا تناقض صارخ مع النشر الربع سنوي لبيانات الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة من قبل مكتب التحليل الاقتصادي، في الولايات المتحدة، يتم نشر تقدير الناتج المحلي الإجمالي الأول بعد شهر واحد بالضبط من نهاية كل ربع، ويتم نشر التقديرات الثانية والثالثة في الأشهر التالية.

التوقيت في إطلاق البيانات الاقتصادية أمر بالغ الأهمية، تحدد الأسواق عادةً تقاويمها وتضع توقعاتها وفقًا لجدول إصدار البيانات الاقتصادية الأمريكية، في هذه الأثناء في لبنان، مع بعض الاستثناءات، يتعين على المرء تشغيل عمليات تفتيش عشوائية على الموقع للحصول على معلومات حديثة، وبالتالي، فإن عملية صنع القرار، وحتى مشاريع الأبحاث، قد تعرضت لانخفاض ملحوظ في القيمة بسبب الإفراج غير المنتظم عن البيانات الاقتصادية.

ويخفف مؤشر مديري المشتريات لبنك بلوم جزئياً من قلة أرقام الناتج المحلي الإجمالي الفصلية، من خلال رسم موازٍ بين مستويات مؤشر مديري المشتريات ونمو الناتج المحلي الإجمالي، يمكن استنتاج النمو الضمني من قراءات مؤشر مديري المشتريات التي يتم نشرها كل شهر، وقد أشار متوسط قراءة مؤشر مديري المشتريات الذي بلغ 46.2 في الأشهر التسعة الأولى من العام إلى نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1 في المائة خلال هذه الفترة، كما أنه يؤيد تقديراتنا بأن النمو للعام بأكمله لن يتجاوز 1 في المائة، كما أشارت مراجعات النمو الأخيرة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1 في المائة في عام 2018.

الاستهلاك هو رقم رئيسي آخر في التحليل الاقتصادي، على الرغم من أن رقم الاستهلاك موجود في الحسابات القومية للبنان، إلا أنه لا يقدم تفاصيل تفصيلية عن الإنفاق حسب نوع المنتج، ومع ذلك، فإن آخر إصدارين يعود تاريخهما إلى 2012 و 2004-2005، في المقابل ينشر مكتب الولايات المتحدة للتحليل الاقتصادي التغيير في نفقات الاستهلاك الشخصي على أساس شهري، والأهم من ذلك، يكسره إلى استهلاك السلع والخدمات الدائمة وغير المعمرة، إن هذا النوع من المقاييس مهم ليس فقط لاتخاذ القرارات المتعلقة بصنع السياسات ولكن أيضًا بالنسبة للشركات لاتخاذ القرار بشأن التوظيف والاستثمار والتسويق وفهم الاتجاهات السابقة والمستقبلية في سلوك المستهلك.

في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على التدفقات الأجنبية، تعتبر بيانات ميزان المدفوعات الموثوقة ذات أهمية كبيرة، كل عنصر في ميزان المدفوعات يقدم نظرة ثاقبة في قطاع مختلف من الاقتصاد، ويبين رصيد الحساب الجاري التدفقات الداخلة والخارجة من العملات الأجنبية من خلال واردات البلد وصادراته وعائداته وعمليات تحويله، بينما يراعي حساب رأس المال الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات الحافظة، يصدر البنك المركزي اللبناني النسخة المفصلة من ميزان المدفوعات على أساس ربع سنوي (ولكن مع تأخر ثلاثة أرباع). ومع ذلك، يكمن جزء كبير من البيانات في حساب “الأخطاء والسهو” أو “المعاملات غير المسجلة”، التوزيع العشوائي لهذا الجزء الأكبر سيؤدي إلى استنتاجات مختلفة بناءً على الحساب الذي تمت إعادة توجيه المبلغ إليه.

من ناحية أخرى، يتم نشر أرقام مؤشر أسعار المستهلك كل شهر جنبا إلى جنب مع التنقيحات والتحسينات، وينشر مؤشر أسعار المستهلكين أيضًا من قبل معهد الاستشارات والأبحاث، والذي قدم مؤخرًا تصنيفًا إقليميًا لأسعار المستهلك وأضاف تميزًا هامًا إلى عنصر الإسكان بفصل أسعار الإيجار المدفوعة على الوحدات بموجب قانون الإيجار القديم وتلك المدفوعة على الوحدات التي لا تندرج تحت قانون الإيجار القديم، كما ينشر معهد الاستشارات والأبحاث مؤشر أسعار المستهلكين، لكنه يقتصر فقط على بيروت وضواحيها، تعتبر الفروق الإقليمية مهمة لأن كل منطقة لها خصوصياتها، خاصة فيما يتعلق بأسعار المساكن.

لدى لبنان الأدوات اللازمة لتتبع أداء القطاعات الاقتصادية الرئيسية، صحيح أن لبنان لا يفرج عن الناتج المحلي الإجمالي حسب القطاع بحد ذاته، ومع ذلك، فهي مزودة بمجموعة من المؤشرات القطاعية التي تسمح بخصم الاتجاهات والأداء، يتم تحرير الميزانية العمومية للبنوك التجارية شهريا من قبل المصرف المركزي ، في حين أن البنوك المدرجة ملزمة قانونا بإصدار بياناتها المالية ربع السنوية وأي إجراء مشترك تقوم به، كما يفرض نظام المهندسين والسجل العقاري اللبناني (السجل العقاري) عدد تراخيص البناء والمعاملات العقارية على أساس شهري.

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المجالات التي تحتاج إلى تحسين على المستوى القطاعي، بخلاف الحسابات القومية للبلد، لا توجد مؤشرات متكررة بشأن القيمة المضافة لكل قطاع ومدى إسهامه في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وعلاوة على ذلك، فإن الإحصائيين يحتاجون إلى نظرة مستقبلية ويكونون مستعدين ليس فقط لقياس القطاعات التقليدية ولكن أيضا في المجالات الناشئة.

يشهد لبنان نمو قطاع التكنولوجيا بعد إطلاق التعميم 331 في عام 2013، مما يسمح للبنوك التجارية بالاستثمار بشكل مباشر أو غير مباشر في أسهم الشركات الناشئة، بعد مرور خمس سنوات، سيكون من المثير للاهتمام أن يقوم لبنان بتصميم منهجية لقياس قيمة هذا القطاع ذي القيمة المضافة العالية ونمذجة تأثيره على النمو الاقتصادي، لا سيما أنه قد يكون المفتاح لفتح النمو الإضافي وفرص العمل في البلاد.

لعل أكبر فجوة بيانات يعانيها لبنان هي إحصاءات العمالة، تعود آخر أرقام البطالة الصادرة عن CAS إلى تسع سنوات، بينما في الولايات المتحدة يتم نشر العديد من إحصاءات العمل على أساس شهري، ينشر مكتب الولايات المتحدة لإحصائيات العمل أرقام شهرية عن العمل وساعات العمل والأرباح بالإضافة إلى خصائص القوى العاملة مثل معدلات المشاركة، وعلاوة على ذلك، يتم جمع البيانات العادية لقياس التغير في تكاليف العمالة من خلال مؤشر تكلفة العمالة وتكاليف أرباب العمل لتعويض الموظفين، الأهم من ذلك، فإنه يتم تنشر إنتاجية العمل من خلال مقارنة الإنتاج بعدد ساعات العمل، وفي حالة لبنان، كان من شأن وجود مثل هذا المؤشر أن يلقي بعض الضوء على المسألة الشائكة المتمثلة في إنتاجية موظفي القطاع العام في الوقت الذي تجري فيه مناقشة زيادة أجورهم.

القدرة على الوصول إلى البيانات لا تقل أهمية عن توفر تلك البيانات، من هذا المنطلق، اشتركت Blominvest مع Economena و Moody’s Analytics في إطلاق Brite في نوفمبر 2017 ، وهو مصدر بيانات اقتصادي مفتوح المصدر يتيح الوصول إلى أكثر من 5000 مؤشر اقتصادي وقطاعي للاقتصاد اللبناني، وكلها قابلة للتنزيل وكلها في مكان واحد.
في مارس 2017، أقر البرلمان اللبناني قانون الوصول إلى المعلومات، ينص القانون على أنه يجب على الإدارات نشر الأرقام المحدثة الرئيسية عبر الإنترنت والسماح لمن يبحثون عن المعلومات بالطعن في أي طلب مرفوض.

بعد أكثر من عام، سألنا المحامي والنائب السابق غسان مخيبر عن وضع هذا القانون، يدرك مخيبر أن التحدي الذي يفرضه هذا القانون هو الإرادة السياسية لإنفاذه، حيث أن عدداً قليلاً جداً من الإدارات المعنية بالقانون، وفي الجانب المشرق، أشار إلى أن مكتب وزير الدولة للتنمية الإدارية ووزارة العدل قد عيّنوا ضباط “الوصول إلى المعلومات”، وأن مجلس الإنماء والإعمار كان أيضاً مستجيباً جداً لطلبات المعلومات وقد سمح بذلك، الكشف الكامل عن موضوع إدارة النفايات الصلبة، عندما سئل ما الذي سيجعل الناس يلتمسون اللجوء القانوني بدلاً من “البحث عن رجل من الداخل” الذي سيزودهم بالمعلومات، أجاب مخيبر بأن القانون لا يهدف إلى تغيير العادات، بل لمعالجة مشكلة تردد الإدارة في مشاركة المعلومات.
يحتاج لبنان إلى بيانات موثوقة وشفافة وعلمية، الشعور العام في لبنان هو المؤشر الاقتصادي السائد.

لسوء الحظ، تخضع المشاعر للتحيزات والتلاعب، وبالتالي لا يمكن أن تكون بمثابة مرساة لصنع السياسة والإصلاح الحقيقي، وفقاً لغسان ديبه، أستاذ الاقتصاد ورئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية ، فإن “فجوة البيانات” ليست مشكلة معلوماتية فحسب، بل أصبحت مشكلة في السياسة الاقتصادية، إنه أحد الأسباب التي تجعل صنع السياسة الاقتصادية ناقصًا في لبنان، “ويجب أيضًا ألا نفقد أهمية وجود رؤية مستقبلية، وفي هذا الصدد، يضيف ديبة: “نحتاج أيضًا إلى استنباط طريقة شاملة لتوقيت دورة العمل والتنبؤ بها، مما يستلزم إنتاج جميع المؤشرات الضرورية (بعضها يتم إنتاجه بالفعل) وتصنيفها إلى مؤشرات متخلفة ومتزامنة ورائدة”.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى