إقتصاد

تقرير ماكنزي تنقصه الخبرات والكفاءات

 

نشرت مؤخراً شركة ماكنزي تقريراً تحدثّت فيه عن خطة إقتصادية للنهوض بلبنان الذي بات يعاني في كثير من القطاعات؛ فما هي المعطيات الجديدة التي قدمها التقرير؟
كما بات الجميع يعلم أنّ الدولة اللبنانية كلّفت شركة ماكنزي بإجراء دراسة وتقديم تقرير مفصّل حول المشاكل الإقتصادية التي تعاني منها مختلف القطاعات في لبنان من زراعة وصناعة وسياحة، إلخ. ولكن بعد دراسة معمّقة للتقرير يؤسفنا القول بأنّه لم يقدّم معلومات جديدة رغم كثرتها، إذ إن القطاعات الإقتصادية، التي ذُكرت على أنها مهمة ورافعة للإقتصاد اللبناني، معروفة لدى جميع أطياف مجتمعنا. وما يؤكّد ذلك هو صدور التقرير بناءً على المعلومات التي قدّمها اللبنانيون خلال المقابلات التي أجرتها معهم شركة ماكنزي حول الوضع الإقتصادي الحالي.
وبالمناسبة، ذكر التقرير أهمية القطاع الزراعي، ألم يسبق لوزراء وفعاليات المجتمع المدني والمزارعين أن أصدروا تقاريراً كثيرة حول أهمية هذا القطاع وطرحوا أفكاراً متعددة لتطويره؟ قرأنا سابقاً العديد من التقارير، بعضها ذكر مشكلة هدر الوقت في زحمات السير الخانقة، وأخرى عن ضرورة تحسين البنى التحتية لتفعيل الإقتصاد؛ إضافة إلى تقارير دقت ناقوس الخطر حول هجرة الادمغة إلى الخارج.
ولكن الجدير ذكره هو أن المعلومات وُضعت في تقرير منسّق ومنظّم، ما يُعتبر جديداً في الدراسات الإدارية للوضع الإقتصادي. وهذا يعني ان المليون دولار، التي دفعتها الدولة اللبنانية لشركة ماكنزي، استُعملت لوضع المعلومات التي لدينا ضمن تقرير شامل وبإخراج جيد.
بإختصار، لو أجرى الطلاب اللبنانيين، من مختلف الإختصاصات، دراسة إقتصادية معمّقة لأصدروا بياناً أفضل بكثير من تقرير ماكنزي.
أما اللافت في هذا التقرير هو ذكره ل”اقتصاد المعرفة”، إلا أنّه أغفل عن  إجراء مقابلات  مع جامعيين او باحثين جامعيين كما ذكر الدكتور بيار خوري في احد مقالاته. من هذا المنطلق نطرح السؤال التالي: “اذا لم تثق الدولة بخبرات اللبنانيين فكيف يمكن ان تبني اقتصاد معرفة من انتاج اللبنانيين؟”.
لا بُد أن أشرح عن “اقتصاد المعرفة”: ربط تقرير ماكنزي اقتصاد المعرفة بتكنولوجيا المعلومات وقال ان لبنان يمكن ان يكون سيليكون فالي للشرق الاوسط. فماذا عنه؟
يرتبط اقتصاد المعرفة بجميع قطاعات الدولة وليس فقط بتكنولوجيا المعلومات، أي أنّ أفقياً لديه علاقة بإنتاج المعرفة وليس المعلومات، ولا شك أن تكنولوجيا المعلومات هي أداة لتسريع إنتاج المعرفة. عندما نتحدث عن اقتصاد معرفة يتعلق بالزراعة او الصناعة او السياحة فنعني بذلك ان تكون الدولة مصدر اساسي للمعرفة في قطاع معين.
يكمن مفهوم اقتصاد المعرفة في انتاج معارف جديدة يستفيد منها العالم بأسره وليس الدولة وحدها، وهذا ما يُعتبر البنية التحتية للمعرفة المتخصصة. إن انتاج المعرفة knowledge production بحاجة الى ادمغة بشرية والى مراكز بحوث وجامعات رفيعة المستوى، وبحاجة أيضاً إلى أن تحدد الدولة المسار الاستراتيجي لاقتصاد المعرفة بحيث ترتبط هذه الاستراتيجية بكل العناصر المتعلقة بها ضمن دورة كاملة لانتاج المعرفة. والجدير ذكره هو أنّه ليس بالضرورة أن تكون الدولة منتجة للمعرفة في كل القطاعات الداعمة للإقتصاد، يكفي أن تكون رائدة في مجال واحد فقط لدعم إقتصادها.
من أهم الامثلة التي يجب ذكرها في ما يخصّ “إقتصاد المعرفة” هي شركة “Nokia” التي ساعدت الدولة والجامعات في فنلندا، فكان لها دور كبير بإنتاج المعرفة في مجال الاتصالات. إضافة إلى ذلك هناك الهند التي أنتجت معرفة في البرمجيات وإيرلندا في مجال العلوم الصيدلانية. أما كوريا الجنوبية التي لا تمتلك موارد طبيعية ولا زراعية إستطاعت إنتاج المعرفة من خلال تطويرها للإنسان فجعلته العامل الرئيسي في الإقتصاد، ووضعت خطة إقتصادية واستراتيجية تعتمد على المعرفة كقوة عظمى.
إذا افترضنا أننا نريد ربط إقتصاد المعرفة في لبنان بقطاع الزراعة فهذا سيوجب على دولتنا أن تكون المركز الاقليمي والعالمي للمعرفة الزراعية. وهذا معناه أن تقوم الدولة بإنتاج المعرفة المرتبطة بالانتاج الزراعي وتكنولوجيا الزراعة إضافة إلى الامراض والآلات الزراعية. وهذا يتطلب تعاون بين الجامعات ومراكز الابحاث والقطاعين الخاص والعام لكي ننتج معارف جديدة لها علاقة بعلم الزراعة فيستفيد منها العالم بأسره.
من هنا نرى أن طرح ماكنزي في ما يخصّ إقتصاد المعرفة يفتقر الى المفهوم العلمي له ما يجعلنا نضع علامة استفهام كبيرة حول الكفاءات العلمية التي عملت على هذا التقرير وفهمها لإقتصاد المعرفة، وبالتالي قد نعتبر هذه الكفاءات غير مؤهلّة لوضع خطة استراتيجية إقتصادية للبنان.
إذاً لا يمكن اختصار اقتصاد المعرفة فقط بتكنولوجيا المعلومات، خاصة وأن تقرير ماكنزي يتحدث عن اقتصاد معرفة كمصدر للمعلومات وليس للمعرفة، ونحن هنا نتحدث عن المعرفة التي تختلف عن المعلومات.
يتباهى بعض الوزراء بالخطة الإقتصادية الشاملة للبنان رغم أنّه لا يمكن اعتبار ذلك إنجازاً لعدّة أسباب أهمها أن هذه الخطة لا تثق بالكادر العلمي اللبناني، إذ كلّفت الدولة اللبنانية شركة اجنبية لتقوم بتقرير إقتصادي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: “كيف يمكن ان تنتج الدولة اللبنانية في ظلّ هذه الخطة الاقتصادية واساس نجاحها الكادر اللبناني؟ “.
أما المشكلة الكبرى لا تكمن في عدد الدراسات التي قدمتها جهات خارجية ومؤسسات دولية، لكن في تنفيذ نتائج الدراسات. إذا طلبنا من مختلف الوزارات ان تقدم تقاريراً عن المشاريع التي لم تُنجز او تلك التي اوقفت او لم تكتمل دراستها أو حتى التي اتضح أنها فاشلة، فمن المؤكد انّه سيظهر هدر كبير في الموارد المالية والبشرية لهذه المشاريع.
لا بُدّ أن يكون هناك وعي لدى المواطن اللبناني حول المشكلة في تنفيذ نتائج الدراسات، وحول مشكلة عدم ثقة الدولة اللبنانية بقدرات وكفاءات المواطنين.
تكمن عوائق تنفيذ المشاريع في النظام الذي نعيش فيه ونتعاطى معه كل يوم ولنا في ذلك تجارب عديدة. هذا الموضوع يرتبط بكل مكونات المجتمع اللبناني مثل الأنظمة السياسية والاجتماعية والبيئية والصحية والخارجية وغيرها. تلتقي هذه المكوّنات وتتفاعل وترتبط ببعضها البعض في مكان واحد إسمه النظام التشغيلي الفعلي اللبناني الحي.
في إطار البحث عن أصل المشكلة، ولفهم العوائق البنيوية التي تقف دون تغييرات جذرية لواقع حياة اللبنانيين، لا بد من فهم كيف تعمل المنظومة. فمن خلال حياتنا اليومية نشهد العديد من الأحداث والوقائع نعايشها وتشغل يومياتنا في إيجابياتها وسلبياتها وهذا هو جبل الجليد، ولكن الحجم الأكبر من الجبل ليس أمام ناظرينا وعلينا أن ندركه بوعينا. وعليه فإن هذه الأحداث والوقائع تأتي في سياقات ومسارات محددة وليست عبثية أو عشوائية تعبّر عما نسميه علمياً سلوك المنظومة. كما لو أنك لا تتفاجأ من نتيجة لأن المسار لا بد ان يصل لهذه النتيجة. علماً أن هذا السلوك هو يصدر عن تفاعل عناصر المنظومة وطبيعة العلاقات فيها بينها وهو ما نسميه “النظام التشغيلي اللبناني الفعلي”، الأمر مرتبط بكل مكونات المجتمع اللبناني، النظم السياسية والاجتماعية وبالبيئية والصحية والخارجية وغيرها يلتقون ويتفاعلون ويرتبطون مع بعضهم البعض في مكان واحد وهو اسمه النظام التشغيلي الفعلي اللبناني الحي. لكن هذا النظام الحالي مبني على الذهنية الحالية التي تتفاعل ضمن هذا النظام، وهو نتيجة هذه الذهنية.

النموذج الناظم للعلاقة بين العقلية والاحداث

هذا النظام الحالي مبني على كل الذهنيات المختلفة والتي ادت الى سلوكيات هذا النظام والتي اوصلت الدولة الى طريق مسدود لذا يجب تغيير هذه الذهنيات لتغيير هذا السلوك. إذا أردنا ان نغير سلوكيات هذا النظام أي بمعنى آخر ان نغير النظام التي أدت الى هذه النتائج لا بد تغيير الذهنيات التي ادت الى هذه النتائج وهذا هو اصل المشكلة.
وانني على يقين اننا لا نستطيع ان ننجز اي حلول مستدامة في لبنان ضمن هذه الذهنية التي تتحكم بالنظام لذا على كل المسؤولين السياسيين والمعنيين في هذا البلد هي ذهنية هذا النظام السياسي والإداري الحاكم في لبنان. واذا لم تتغير هذه الذهنية لا يمكن حل المشاكل التي يمر بها لبنان وكل الحلول هي مسكنات مؤقتة وليست حلول مستدامة.
إذا أخذنا كمثل على ذلك العاصفة “نورما” التي ضربت لبنان الأسبوع الماضي سيظهر لنا كيف أن سلوكيات النظام في لبنان تؤثّر على تنفيذ المشاريع. لا يمكن اعتبار “نورما” من أقوى العواصف، إذ شهد لبنان على أقوى منها. لكن ما فعلته هذه العاصفة بالبنية التحتية ومختلف الشوارع اللبنانية أظهر عدم تعاطي الدولة اللبنانية بجدية مع الكوارث الطبيعية، وبالتالي هشاشة مشاريع البنى التحتية التي استفاد منها المسؤولون اللبنانيون.
كما يظهر البيان الرسمي المرفق بالمقال، فإنّ النظام اللبناني الحي يظهر سلوكيات ناتجة عن تفاعل كل عناصر النظام. إذاً أي شيء يمكن ان ننجزه في لبنان سوف يكون جزء من هذا النظام، وسوف يتفاعل مع باقي عناصره.
أحد أهم وأخطر الامثلة التي يجب إعطاؤها في ما يخصّ ذهنية النظام الحالي هي الفساد، أي إستغلال وسوء استعمال الموارد المالية للدولة. للأسف يقوم المسؤولون بالإستفادة من موارد الدولة من حيث تلزيم المشاريع لشركات تخصّهم أو تخصّ المقرّبين منهم، يضعون ميزانيات عالية جدّاً لهذه المشاريع فتستفيد الشركات المُنفّذة. إذا استمرّ المسؤولون بالعمل في هذا النظام الحالي فلن نستطيع إنجاز أي حلول مستدامة في لبنان، لذا على كل المسؤولين السياسيين والمعنيين في هذا البلد تغيير ذهنية هذا النظام السياسي الحاكم في لبنان. واذا لم تتغير هذه الذهنية لا يمكن حل المشاكل التي يمر بها لبنان، وبالتالي ستُعتبر كل الحلول مسكنات مؤقتة ولن تكون حوللاً مستدامة.
في الختام، يجب الإعتراف بأن تقرير ماكينزي لم يأتي بشيء جديد، كل ما قام به هو جمع معلومات متفرّقة من مختلف أطياف المجتمع اللبناني. هذا وأعطى مفهوماً خاطئاً لإقتصاد المعرفة، وبالتالي التقرير ينقصه الخبرات والكفاءات العلمية لتوضيح هذه المسألة.
أضف إلى ذلك الذهنية اللبنانية التي تُنتج سلوكيات هذا النظام، فاذا لم نغير هذه الذهنية لن نستطيع تتغير سلوكيات هذا النظام وسوف نبقى في دوامة الحلول القصيرة المدى مما سيُكثر المشاكل ويُبقي الطريق مسدودة.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى