دوليات

تعرف إلى القوتان العظيمتان في العالم

عن موقع ارقام

“برأيي، هناك اليوم قوتان عظيمتان في العالم. الأولى هي الولايات المتحدة أما الثانية فهي وكالة التصنيف الائتماني “موديز”. يمكن للولايات المتحدة تدميرك من خلال إلقاء القنابل، في حين أن “موديز” بإمكانها تدميرك أيضاً ولكن من خلال خفض التصنيف الائتماني لسنداتك. وصدقوني، بالنسبة لي ليس واضحاً أيهما الأقوى.”

العبارة السابقة كتبها المفكر الأمريكي الشهير “توماس فريدمان” في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في الثاني والعشرين من فبراير/شباط 1995 هاجم خلاله الوكالة الأمريكية وشقيقاتها منتقداً سطوتها، ومشيراً إلى أن قراراً واحداً من هذه المؤسسات بإمكانه إحداث هزات ومشكلات مالية ضخمة لأي دولة، ضارباً المثال بكندا والمكسيك.

هناك أكثر من 150 وكالة تصنيف ائتماني حول العالم، لكن ثلاث وكالات فقط – “ستاندرد آند بورز” و”موديز” و”فيتش” – هي من تسيطر على ما يقرب من 95% من السوق العالمية. تسيطر الأولى على 40% من السوق، في حين تسيطر على مثلها الثانية، بينما تضع الأخيرة يدها على 15%.

تمتلك هذه الوكالات الثلاث – وجميعها أمريكية – سلطة على الحكومات وصناع القرارين السياسي والاقتصادي والشركات حول العالم تفوق بكثير تلك التي قد يمتلكها الناخبون أو المساهمون. وهذا ما يدفع الجميع لمحاولة استرضائها بأي شكل.

لكن ما لا يدركه البعض هو أن ما يعطي تلك الوكالات هذه السلطة الهائلة ليس روعة أو دقة تحليلاتها وإنما طبيعة الوظيفة التي تؤديها. فببساطة، تتلخص وظيفة هذه المؤسسات في إبداء رأيها حول مدى قدرة واستعداد مُصدري السندات على الوفاء بالتزاماتهم بشكل كامل وفي وقت محدد، وهو ما يمكّنها في النهاية من التأثير على المؤشرات وحركة رأس المال الاستثماري.

فسواء كنت رئيس وزراء أو رئيسا تنفيذيا لأي شركة وترغب في الاقتراض من أسواق رأس المال الدولية، فأنت بحاجة إلى تقرير يحتوي على التصنيف الائتماني للدولة أو الشركة لتقديمه للمقرضين المحتملين. وهو ما يعني أنه عليك اللجوء إلى وكالات التصنيف للحصول على هذا التقرير.

كيف ظهرت؟

ظهرت وكالات التصنيف الائتماني لأول مرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما بدأت خطوط السكك الحديدية في الولايات المتحدة تتحول من مشاريع محلية إلى مشاريع قارية أو عابرة للحدود. وحينها أراد المستثمرون المهتمون بتمويل هذه المشاريع أن يتأكدوا من مدى موثوقية هذه المشاريع التي يتم بناء جزء منها خارج البلاد.

كان المستثمرون لا يعرفون الناس الذين كانوا يطلبون الأموال منهم لتمويل هذه المشاريع. ومن هنا ظهر “هنري بور” في العام 1860 بعد أن نشر كتاباً عرض خلاله التفاصيل المالية لشركات السكك الحديدية مما سهل على المستثمرين اكتشاف المشاريع والأصول التي تستحق الاستثمار فيها.

ظلت شركة “بورز” وحيدة في المجال إلى أن أنشأ “لوثر لي” مكتب الإحصاءات الخاص به “ستاندرد” في عام 1906، والذي كان يغطي أغلب القطاعات الاقتصادية. وفي العام 1909، بدأ “جون مودي” في نشر تقييماته الخاصة حول مجموعة أوسع من السلع، في حين أن “جون فيتش” أنشأ شركته الخاصة بالتصنيف الائتماني في عام 1913.

منذ ذلك الحين وحتى الثمانينيات، كانت نشاط هذه الشركات متركزا بشكل رئيسي في أمريكا الشمالية، ولم يكن الطلب على خدماتها مرتفعاً، ويرجع ذلك إلى أن غالبية الشركات في ذلك الوقت كانت تقترض من البنوك المحلية ولا تستثمر إلا في نفس مجالها.

ولكن ابتداءً من الثمانينيات فصاعداً ومع تخفيف القيود التنظيمية بدأت الشركات تعتمد بشكل أكبر على الاقتراض من أسواق رأس المال الدولية، وبالتالي أصبح تقييم وكالات التصنيف الائتماني للشركات الراغبة في الاقتراض أكثر أهمية.

تضارب مصالح!

النقطة الأكثر إثارة للاهتمام حول وكالات التصنيف الائتماني هو مصدر تمويلها. فما يحدث هو أن هذه الوكالات تمول من ذات الشركات التي تقوم بتقييمها. فإذا كنت رئيساً لشركة وترغب في الحصول على تقييم لملاءتها المالية، فيجب أن تدفع ما قد يتراوح ما بين 1500 دولار و2.5 مليون دولار – على حسب حجم شركتك – للحصول على هذا التقييم. وهذا من المفترض أنه يخلق حالة من تضارب المصالح، لأنه يمنح الوكالة حافزاً لمنح الشركات التصنيف الذي تريده.

هذا هو مدخل التشكيك الرئيسي في مصداقية التقييمات التي توفرها هذه الوكالات. فمن ناحية يزعم البعض أن وكالات التصنيف لا تتعامل بالحزم الكافي مع الشركات التي تدفع لها بسخاء كما حدث في فضيحة شركة “إنرون” التي فشلت وكالات التصنيف في تحذير المستثمرين منها، ولم يتم تخفيض تصنيفها الائتماني إلا بعد أن تقدمت الشركة بطلب لإعلان إفلاسها في نهاية 2001.

من ناحية أخرى تتهم وكالات التصنيف بأنها عدوانية للغاية مع الشركات التي لا تدفع لها. ففي عام 1998 عرضت وكالة “موديز” على شركة تأمين ألمانية كبيرة تسمى “هانوفر ري” إجراء تقييم لجدارتها الائتمانية مجاناً، وذلك على الرغم من أن الشركة الألمانية لم تكن أحد عملاء الوكالة.

كانت “موديز” تأمل أن تلك الخطوة ستجعل “هانوفر ري” مهتمة بالدفع مستقبلاً مقابل الحصول على الخدمة نفسها، غير أن الشركة الألمانية تجاهلت الرسالة، وفضلت الاستعانة بخدمات “ستاندرد آند بورز” ووكالة تصنيف أخرى صغيرة تسمى “إيه إم بيست”، وذلك بحسب ما ذكرته “واشنطن بوست”.

في عام 2003، وعلى الرغم من أنها ليست أحد عملائها، قامت “موديز” بخفض التصنيف الائتماني للشركة الألمانية من الدرجة الاستثمارية إلى درجة المضاربة. بمجرد أن خرج التقرير، أصيب المساهمون بالذعر وباع الكثير منهم أسهمه وفقدت “هانوفر ري” 175 مليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة واحدة.

هذا مجرد مثال بسيط على قوة الوكالات الثلاث الكبرى التي تقوم مجتمعة بتقييم الأغلبية الساحقة من الديون، والتي أصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحديها أو اتخاذ أي إجراءات ضدها.

صامدة رغم كل شيء

لكن في الوقت نفسه، يجب أن نشير إلى نتائج دراسة أجراها صندوق النقد الدولي أظهرت أنه منذ عام 1975 تم تصنيف جميع الديون السيادية التي عجزت الحكومات عن سدادها في الدرجة غير الاستثمارية قبل عام واحد على الأقل من تاريخ التخلف عن السداد. وفي الفترة ما بين عامي 1983 و2009، لم تتخلف أي دولة مصنفة ضمن الدرجة الاستثمارية عن سداد ديونها.

1 % فقط من الشركات المصنفة ديونها كديون ذات درجة استثمارية هي من تخلفت عن سداد ديونها. هذه الإحصاءات تدعم بشكل كبير جودة تقييم الوكالات الثلاث الكبرى للمخاطر الائتمانية الخاصة بالشركات والديون السيادية.

لكن في ديسمبر/كانون الأول من عام 2009، نشرت وكالة “موديز” تقريراً تحت عنوان “مخاوف المستثمرين بشأن سيولة الحكومة اليونانية في غير محلها”. فبعد ستة أشهر فقط من هذا التقرير تلقت أثينا حزمة إنقاذ بقيمة 147 مليار يورو.

قبل ذلك، تعرضت مصداقية كفاءة وكالات التصنيف الائتماني لضربة كبيرة على وقع الأزمة المالية العالمية الأخيرة، وذلك بسبب فشلها في تقييم الجدارة الائتمانية لسندات الرهن العقاري الأمريكية في الفترة التي سبقت الأزمة.

لذا فرضت غرامات مالية على بعض الوكالات من قبل الجهات التنظيمية، ولكن ذلك لم يؤثر أبداً على حجم الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات. فحتى اللحظة لا تزال الصناعة المالية الدولية تعتمد بشكل كبير على آراء هذه الوكالات.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى