إقتصادمقالات رأي

تخفيض الإنفاق او زيادة الضرائب: ايهما افضل للبنان؟

بعد أن بلغت ديون الدولة اللبنانية مستويات مرتفعة غير مسبوقة، وتفاقم العجز غير المحتمل في الموازنة العامة للدولة، ومن ثم اتجاه الحكومة الى فرض مزيد من الضرائب وتقليص البعض القليل من النفقات العامة الجارية، ينبغي النقاش بشأن أفضل الطرق للحد من بلوغ الدين مستويات مستدامة، حيث يرى البعض بأن خفض الإنفاق هو أفضل العلاجات لاستعادة السلامة المالية، في حين يصـر آخـرون – على عكس ذلك – بأن تخفيض الإنفاق هو هزيمة ذاتية لأنها تؤذي النمو الاقتصادي، بل يرون أبعد من ذلك أن مزيداً من الإنفاق الحكومي يهدف لإعادة تنشيط الاقتصاد الضعيف.

ولكن يبقى الهدف الأساسي هو تقليص الدين العام – ليس فقط حجم الدين – بل نسبته إلى الدخل القومي أو الناتج المحلي الإجمالي الذي يعتبر مقياساً لموارد الاقتصاد التي يمكن استخدامها لتمويل سداد الديون. وهناك عادة طريقتان لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي: الأولى، هي الحد من عجز الموازنة العامة (عن طريق خفض النفقات أو زيادة الإيرادات)، والثانية، توسيع حجم الاقتصاد. من الناحية المثالية، تقوم الحكومات بتقليص العجز وتحويله إلى فوائض أولية (أي تجاوز الإيرادات الضريبية حجم الإنفاق) بطريقة لا تؤذي النمو، ولكن إذا تسببت السياسات الموجهة نحو خفض العجز في ركود عميق فإنها سوف تؤدي إلى نتائج عكسية: فالانخفاض في حجم الناتج المحلي سيزيد من نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من الجهود المبذولة للحد من هذا العجز.

وعادة ما تنقسم خطط الحكومات الى فئتين: الخطط القائمة على النفقات، وتتألف في معظمها من تخفيض الإنفاق، وخطط قائمة على الضرائب، التي تتألف في معظمها من زيادة في الضرائب. وتؤكد بعض الدراسات بأن الخطط القائمة على تخفيض النفقات هي عموماً أقل ضرراً على النمو من خطط رفع الضرائب. وبشكل أكثر تحديداً، وفي المتوسط، خلصت بعض الدراسات بأن الخطط القائمة على خفض النفقات قد ارتبطت مع تراجع طفيف في النمو. إن خطة تبلغ 1% من الناتج المحلي (أي خفض الإنفاق بهذه النسبة) تعني خسارة حوالي نصف نقطة مئوية في متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي للدولة. وعادة ما تستمر هذه الخسارة في الإنتاج لفترة قصيرة تقل عن عامين. وعلى النقيض من ذلك، ترتبط التصحيحات القائمة على زيادة الضرائب (بلغت 1% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط) بانخفاض نسبته حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بمساره قبل التقشف، وتأثير هذه الساسة هو ركود كبير يميل للاستمرار لفترات طويلة عادةً لعدة أعوام.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن الدول التي اختارت زيادة الضرائب قد عانت من فترات ركود أعمق من تلك التي اختارت خفض الإنفاق. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، شملت الخطط بإجمالها تقريباً خفض الإنفاق، حيث تضمن ذلك تقليص في الاستهلاك الحكومي والاستثمار العام، وتخفيض في بند التحويلات بما في ذلك اشتراكات المعاشات التقاعدية وبدلات الدعم ومعاشات الخدمة المدنية. وقد بلغت تلك التخفيضات في النفقات بين عامي 2010 و2014 حوالي 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 0.6% سنوياً). وقد كانت النتيجة أن تخطى النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة متوسط النمو في أوروبا، وتعافى الاستثمار من تراجع بنسبة 21% في عام 2009 إلى ارتفاع بنحو 6% في عام 2010.

لا شك بأن الخطة القائمة على زيادة الضرائب والتي لا تأخذ بعين الاعتبار النمو الاقتصادي والبرامج الأخرى على مر الزمن، ستكون أقل احتمالاً بكثير لإنتاج تأثير طويل الأجل على الميزانية. وإذا كانت الخطة لا تعالج الزيادة التلقائية في الإنفاق، فإن الضرائب سوف ترتفع باستمرار لتغطية النفقات الإضافية.

وبالتالي، فإن الاقتصاد يتفاعل بشكل مختلف جداً مع رفع الضرائب أو تقليص النفقات. فاستمرارية تغيير السياسة ضروري لأي سياسة تقشفية ويعمل في الاتجاه المعاكس اعتماداً على نوع الخطة. فالخطة التي تستند على الضرائب وتستمر لفترة طويلة من شأنها أنت تنتج ركوداً أعمق. ومن دون قيام الحكومات بتقليص النفقات، فإن رفع الضرائب سوف يستمر لفترات طويلة ويؤدي بطبيعة الحال إلى تأثيرات بعيدة الأمد – لا سيما على عرض العمالة والاستثمار – بسبب ارتفاع التشوهات الضريبية. في المقابل، إن تخفيض الإنفاق على المدى الطويل يؤدي إلى ركود أقل حدة لأنه يعطي إشارة بأنه عاجلاً أم آجلاً من الممكن خفض الضرائب والتشوهات المصاحبة.

خلاصة القول إن تخفيض الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي يعتمد كثيراً على كيفية تصحيح العجز في الميزانية العامة للدولة. إذا ارتفع الفائض عن طريق رفع الضرائب فإن الانكماش في النمو سوف يكون كبيراً جداً ويرفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عوض أن يخفضها. كما أن سياسات تقليص العجز القائمة على تقليص النفقات قد لا يكون لها أثر يذكر على الإنتاج وبالتالي قد تؤدي إلى تخفيض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ومن هنا، ينبغي على الحكومة اللبنانية النظر الى عواقب وترددات القرارات المالية التي تأخذها وليس حصر التفكير في أرقام الموازنة بل في تأثير السياسات المالية على الاقتصاد وأي من تلك القرارات أقل تكلفة وأقل ضرراً على النمو الاقتصادي.

اخترنا لكم

إغلاق